الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

من الذاكرة " اللغة العربية "

علاقتي مع اللغة العربية كانت الأسوأ طوال سنوات الدراسة، ليس بسبب عدم رغبتي في دراستها ولا كسلاً مني، وإنما لدور المعّلم وتأثيره على الطالب والذي تجلى واضحاً في حالتي.
بداية الأمر كانت عندما انتقلنا من " وادي موسى/ البتراء " إلى مدينة " معان " بسبب سفر والدي للعمل خارج الأردن، في الدرس الأول لمادة اللغة العربية وكانت أول " حصة " دخلت المعلمة للصف، وكنتُ مرتبكة، لا أعرف ولا طالبة في الصف، تنبهت لوجودي وسألتني عن اسمي، فما كان منها إلا أن قالت مثلا شعبياً ما زال مستخدماً حتى الآن، - لي معه قصة أخرى قد أكتبها لاحقاً -،: (ما بجيك من الغرب غير يلي يغم القلب)، كان هذا هو الحجاب الثقيل الذي غطى كل طاقاتي الطفولية المتدفقة للعلم والتعلم، وخاصة مادة اللغة العربية، رغم كوني قارئة منذ الطفولة، حيث كنت أقوم بقراءة كل ما يقع تحت يدي من مكتبة والدي مستغلة غيابه عن البيت بداية الأمر، قبل وفاته لاحقاً.
بعد ثلاثة سنوات تغيرت المعلمة، بأخرى تربطها بأمي صلة قرابة، لا يذهب تفكيركم باتجاه آخر، كانت معلمة صارمة، شديدة، وضعتني ومنذ اليوم الأول وكل تصرف أقوم به تحت المجهر، وليتها كانت تشاهد حقيقة ما أقوم به ولا تنسج قصصاً من خيالها لتغذي أفكارها عني بصفتي " غريبة " رماها الحظ في مجال مراقبتها، و – ولعب القدر لعبته في هذه الفترة وحصلت على لقب يتيمة – المهم أنها كانت كابوساً يقبع على صدري، كرهت درس اللغة العربية بشدة، ولكم أن تتخيلوا كم التأثير الذي وقعت تحته وأنا أقاوم مشاعر بادلتني العدائية لسبب لا أفهمه على مدى تقبلي للمادة الدراسية.
في المرحلة الثانوية الأولى بدأت معلمة اللغة العربية لطيفة للوهلة الأولى، بعد أكثر من شهر تم تكليفها بإدارة المدرسة بالإضافة لتدريس اللغة العربية لبعض الصفوف وكنت أنا طالبة في هذه الصفوف القليلة، بعد أن استلمت الإدارة بشهر استدعتني لغرفتها، بدأت في ديباجة مديح لأخلاقي وتميزي في الفصل – وهذا غير صحيح حيث لم أكن مميزة في دروس اللغة العربية دوناُ عن كل المواد الدراسية الأخرى التي كان تجميعي فيها ممتاز -، بعد هذا طلبت مني أن أقوم بالتجسس على طالبات الصف لأوافيها بأخبارهن، - جاسوسة - ! كانت ردة فعلي طبيعية لطالبة تحترم نفسها: لن أقوم بالتجسس يا معلمتي، هنا فُتحت أبواب جهنم على مصراعيها لتصب فوق رأسي المرهق من اللغة العربية ومعلمات اللغة العربية، أصبحت تنتظرني في الطابور الصباحي وأمام جميع الطالبات تطلب مني أن أقوم بمسح آثار الماكياج المزعوم، كنت أمسح وجهي وأعطيها المنديل الورقي خالياً من أي مساحيق أو آثار تدل على أنني كنت قد وضعتها سابقاً، لأكثر من شهر أصبحت من ضمن البرنامج الصباحي للمدرسة والمديرة، إلا أنني لم أستطع أن أتحمل أكثر، فأصبت بنوبة غضب شديدة فكنت أمسح وجهي بشدة وأنا أصرخ عليها بأن هذا يكفي ولا يحق لها أن تعاملني بهذا الشكل لاحقاً، تأثرت بعض المعلمات بما حصل ويبدو أنهن طلبن منها أن تتوقف، وتوقفت في اليوم التالي!
في السنة الأخيرة حضرت معلمة شابة لتدريسنا اللغة العربية، كانت متغطرسة، تجمعت الطالبات حولها ممجدات و متملقات لها، ولم أكن من الجوقة، سألتني مرة باستفزاز واضح: شو اسمك الكامل رائدة.
أجبتها على السؤال، فما كان منها إلا أن قالت : طيب وعلى شو دخلك شايفه حالك، هو ما في طالبة حلوة بالصف غيرك؟؟
كان هذا آخر ما أفكر فيه في سنتي الأخيرة في المدرسة ومن بدايتها، أي علامة سيئة في اللغة العربية !!
عمدت لخطة تجنبني سؤال المعلمة عن أي معلومة، أحضرت ورقة امتحان توجيهي سابقة، وعرفت كيف تقّسم العلامات، فما كان مني إلا أن طرحت من العلامات (30 ) علامة، الخاصة بالقواعد والنحو، وركزت على كل ما تبقى بصفته المنقذ لي لأنتهي من معاناة مادة اللغة العربية ومعلماتها اللواتي تكاتفن دون تنسيق على كرهي لها، وحصل ما خططت له، وحصلت في اللغة العربية في التوجيهي على تقدير جيد مرتفع، رغم أنني أهملت كل الأسئلة المتعلقة بالقواعد والنحو!! وتخلصت من معلماتها أيضاً.

الأحد، 19 أكتوبر 2014

ليلة لشبونة – رشة ملح على جرح - إريش ريمارك


*رائدة زقوت


ليلة لشبونة – رشة ملح على جرح - إريش ريمارك
رواية تسحبك لأحداثها حتى النفس الأخير، ألمانيا النازية بمآسيها تختزل في ليلة واحدة عبر سرد شيق ولغة رشيقة تذوب في الفم، رغم الأسى كقطعة السكر.
لا تملك وأنت تمر بأحداث هذه الرواية إلا أن تقترب بعقلك من هنا من منطقتنا العربية المشتعلة حد الضياع.
هل نحن ضحايا جدد لنازيين جدد ؟؟ هل سيعيد التاريخ صدمته الحضارية عبر جثثنا التي بات القريب والغريب يتبرع بتركها طعاماً للغربان؟ ...فلسطين التي فرّغ اليهود أحقادهم الدفينة فيها عبر القتل والتهجير و محاولة محو الآخر في انتقام غير مبرر للمحارق النازية بحقهم...!
العراق التي ما أن حطت أقدام الغرب فيها حتى تحولت لساحات للموت والتعذيب غير الرحيم أو المقبول بأي شكل؟
سوريا وقد استباح رهط من القتلة دم أهلها وهجروهم وهتكوا أعراضهم في تحدٍ صارخ لكل القيم الإنسانية، باسم السلطة وكرسي العرش، وباسم الدين والحياة الفضلى، بطريقة تفوقت على ما فعله الألمان باليهود، وما فعله اليهود بأهل فلسطين لاحقاً!!
إن كتب أحد العشاق الناجين من محارق الأنظمة العربية، أو محارق اليهود والغرب روايته - - على سبيل التشبيه ب " ليلة لشبونة " - كيف سيوصل للعالم مآسينا وويلاتنا التي لم نتمكن من تجاوزها منذ الحروب العالمية؟! هل سيكتب للعالم عن فترات الهدوء التي طالتنا لسنوات حتى تناسينا أننا نعيش في بؤرة مشتعلة منذ أكثر من قرنيين؟ ... هل سيختار له حبيبة تأمن جانبه لو غدر به البحر كما غدر بالمهاجرين وقدَّمهم طعاماً سائغاً لأسماك القرش؟؟
ثم السؤال الذي سيبرز دائماً كم – إريش ريمارك – نحتاج لنوصل للعالم أن ما يحصل عندنا وفي منطقتنا فاق بمئات المرات ما تعرض له العالم على أيدي النازيين !
السرد الروائي الذكي يقوم مقام السفير النشيط الوطني؛ الذي يبذل أقصى طاقته لتلميع صورة بلده وإيصال قضاياها للعالم.
كم نغفل عن الأدب ودوره عندما نفرغ طاقاتنا في رصف كلمات لا توجه حروفها صوب الآخر ليعي ما تعيشه المنطقة...! كم نغفل عندما نعلق الحب بشخص المحب دون أن نشركه في حروبنا الممتدة! نحتاج لشحذ الهمم الأدبية والخروج من بوتقة أننا الأقل حظاً والأكثر ظلماً – على الأقل – أدبياً، لنقنع الآخر بأننا نعاني كما عانوا قبل سنوات، وأننا بشر نتقن فن الحب أكثر مما نتقن صناعة الحروب، وأن الخوافق وإن غلَّفها صمت العربي وصرامة ملامحه، ما زالت تبحث عن الحياة، لترسم الغد وفق قوانين إنسانية عادلة، تخرجنا من دائرة الصراع والموت لنعيش كما ينبغي للإنسانية أن تعيش.
______

*كاتبة من الأردن

http://www.thaqafat.com/News.aspx?id=9238&sid=20#.VESb7yKUeJ0