الأحد، 2 يوليو 2017

الــــــــــــــذَّيــــــــــــــل


      نقَّل الَّصبيُّ نظره بين أفراد العائلة محاولاً إيجادَ دليلٍ واحدٍ فقط يؤكِّد صحةَ كلامِ والده، العيونُ لا توحي بأنَّ أصلَها كانَ من تلك القارةِ السَّوداء، بياضُ البشرةِ والذي كان السِّمةَ الأبرزَ التي تميِّزُ العائلة، الشِّفاهُ الدَّقيقةُ نوعا ما، والتي كانت مميزةً أيضاً، كلُّ الصِّفاتِ الجسديةِ لا تمتُّ بصلةٍ لتلك القارةِ المكتظةِ بالسَّواد ولا لبطلِها ذلك الذي قال الوالد أنَّ شجرةَ العائلةِ تعودُ بالجذورِ له، أعادَ الصَّبيُّ نظره مجدَّداً صوبَ والده وهو يتحدَّثُ بصوتٍ جهوريٍّ تصيبه بعضُ الهِناتِ بينَ الحينِ والآخر وتوقفُه نوباتُ تجشُّؤٍ منْ أثرِ الكحول.
   أنهى الوالدُ درسه التَّاريخيَّ المنوَّعَ  الذي يتحفُ فيه أفرادَ العائلةَ بكلِّ ما هو غريبٌ ومستهجنٌ من معلوماتٍ وأفكارٍ مسيطراً عليه السُّكْرُ، ومتحدثاً عنه أكثر الأوقات، أمرَ أطفاله بالذِّهابِ إلى النوم، وتوجَّه هو صوب غرفته ليكملَ سرده للزوجة.
  لم يستطعْ الصَّبيُّ النومَ وهو يتصَّورُ نفسه عائداً لتلك الجذور، مكتسياً السُّمرة الإفريقية، يتقافزُ منْ مكانٍ لآخر طالباً الطَّعام، يمسكُ بالحجارةِ ليرميَ بها أعالي الأشجارِ ليصطادَ طعامه، تقلَّب في فراشه محاولاً طردَ تلك المشاهدِ من رأسه عندما سمعَ صوتَ والدِه يهدرُ خارجَ الغرفةِ بالشَّتائم والسِّبابِ على الوالدة، دفعه الفضولُ ليسترقَ النَّظر من ثقبِ الباب، شاهد والدته تسندُ والده المترنِّح، دقَّقَ النَّظر يا الهي ما هذا .. ؟؟ كان والده عارياً تماماً، أغمضَ عينيه خجلاً ... ثم أعادَ فتحهما، ركَّزَ نظره على جسد الوالد المترَّنِّحِ، فتأكَّدَ أنَّ كلام الوالد صحيح، فها هو في هذه السَّاعة يعود لأصله البدائي، هكذا شاهده، فرك عينيه في محاولةٍ للتأكُّد مما يرى، لا محالة والده يعود لأصله الحقيقي – عارياً - ... يتكأُ على أنثاه للقيام بمهمةِ التَّبول، شيءٌ واحدٌ فقط هو ما ينقصُ مشهدَ العودةِ للأصل: الـــــــــــذيـــــــــــل.

الجمعة، 20 يناير 2017

خروجٌ سافرٌ على النَّصِ!

 تدوزنُ الكلامَ فيخرجُ مموسقاً، لا يهمُّ المعنى بما أنَّ العزفَ يُخرج الأفعى من جحرها أو يسقطنا في الجُحر، حيَّدتْ قلبها وعزفت باسمه، فخرج الحرفُ دون حاجةٍ لطلْقٍ مُفتعلٍ.
 أرميهِ كحجرٍ في ماءٍ راكد، فيثير زوبعةً، تبعدُ المصطافين عن أطراف البحيرة، خشيةَ البللِ وأشياءَ أخرى أشدَّ فتكا، حيدتُ عقلي، فخرج الحرفُ متعسراً كولادةِ طفلٍ في شهره السَّابع، ولد من نطفةٍ لا تهوى الظُّهور، وتخشى الحُبلى من فضيحةٍ تعقرُ بشرفها، فتخفي الحملَ والمحمول.
 تلعبُ ... نلعبُ أنا وهي على هذا الحبل كثيراً، نتوقفُ لأخذ نفسٍ طويلٍ، قبل أنْ نعيد الكَرَّة في كل مرةٍ نُخرج فيها نصاً للعَلن، عقلها وقلبي وسلسلةُ النُّصوص المولودة من رحميهما .
هذا خداجٌ لم تخالطْه حياةٌ : قال عقلُها لقلبي وهو يحاولُ الولادة .
- أريده مبتوراً؛ ليزرعَ له أحدهم أطرافاً وقلباً صناعياً ربما!
- ستُتهمين بالجنونِ وقلبك بالجنوحِ صوبَ البدائية !
 - هذه تهمةٌ أتعايشُ معها منذ خَططتُ الحرفَ الأول، الحداثةُ وليدةُ البدائية، والإنسانُ البدائيُّ عرفَ الحياةَ وخبرها بانفتاحٍ مُطلقٍ، ونحن بعده بحداثتنا،
أعدْنا البدائيةَ الحيوانية، وقذفنا بالحجارةِ كلَّ حسناتِ بدائيته، وزرعنا في أصصِ الحياةِ حداثةً منزوعةَ الحياة .
 - ذكرتَني بمجتمعِ القرود، يقال وعلى ذمةِ الرواةِ بأنَّ القرودَ أولُ من طبَّقَ شريعة " رجم الزُّناة " ونحن ما زلنا لا نطيقُ الاعترافَ بأنَّ الرَّجمَ يطهِّر الروحَ ويفني مكمنَ الخطيئة.
 - هذا خروج سافرٌ على النَّص، نحنُ لا نملكُ حكمةَ القرود، ولا قدرتها على صياغةِ قوانين مجتمعاتها، ماذا لو تُركنا لنمارسَ الحياة بشكلها البهيمي؟ هل كنا سنجدُ هذا العددَ الهائلَ من المخالفات الحياتية التي تتنافى مع العقلِ والمنطق؟
 - لم أخرجْ على النَّص ولكنَّه عقلك موقعُ العلة وبؤرةُ الفساد، لو أنكِ تتركينه قليلاً، لخرجت النصوصُ أجملَ، ما عيبُ الحرفِ القلبي؟ أليسَ هو منْ يجذبُ القرَّاءَ ويحثُّ القلوبَ على تتبعِ النبض؟ لا تسجني قلبك بقضبانِ العقل، فالقلبُ مناطُ الحياةِ والحب، والعقلُ مناطُ الخطوةِ التي يرسمها القلب.
 - توقفي عن إدخالي في دهاليز ومصائد، تتنقلين بخفةٍ من موضوعٍ لموضوع، هذا توهان لا أود أن أغرق فيه، المشكلةُ أنني أبحثُ عن راحةِ بالٍ مفقودة، وهدوءٍ غيرِ حذرٍ ولا مشروط، وتبحثين عن فلسفةٍ لا أريدها، ولا أطمحُ للغوص فيها على أقلِّ تقديرٍ في الوقت الرَّاهن، حيثُ أعيشُ العجزَ بكلِّ تفاصيله.
 - هنا عليك بالرَّجم، عودي لقاعدة " القرود " ارجمي عجزك، والخذلان، تذكري مقولة " من كان منكم بلا خطيئةٍ فليرجمْها بحجر" سينتعش قلبك مجدداً ويتطهر، الغفرانُ يتبع الرَّجمَ والطُّهر أيضاً، أعطي نفسك فرصةَ العيشِ دونَ منغِّصاتٍ.
 - هذا كلامٌ محضُ قلبيّ، كيف لي أنْ أرجمَ ما لا طاقةَ لي برجمه، أريدُ حصاةً كبيرةً جداً لأرجمَ عقلي بها، هو من ورَّطني ببحرٍ لا شواطئ له، ولا مرفأ، بحرٍ يسحبني للقاعِ كلَّما حاولتُ السِّباحةَ للسَّطح لأخذ حصَّتي من الأكسجين، أريد حياةً بيضاء، لا أحبُّ الرَّماديَّ، والأسودُ ملّ مني، أريد الغناء بصوتٍ لا رجفةَ فيه، أريد أنْ أمارسَ غجريتي بالرقصِ والدورانِ حولَ النارِ دونَ أنْ تحرقني، أريدُ أنْ أقفَ على رأسِ جبلٍ وأصرخ بأعلى صوتٍ، أنا لستُ أنا، أنا متُ وهذه أخرى خرجتْ من رحمِ الأسودِ بيضاء.
 - على رسلكِ، تمهلي ... هاتي يدكِ وأغمضي عينيك وسيري معي، سنهربُ سويةً صوب جبلٍ لا يعصمنا من الجنون، يعتقنا من أنفسنا، ونطلق العنانَ للصوتِ ليصدحَ، وللغجريةِ لتمارسَ رقصتها الأبديةَ حولَ النار.
 نهضتُ متكاسلةً، لملمتُ نفسي من نومٍ حطَّ بغير وقته فوقَ كومةِ ورقٍ كانت معدَّةً لكتابةِ نصٍ قلبيّ يُحيُّد العقل، حملتها بين يديّ وخرجتُ صوبَ الفناء، أشعلتُها ومارستُ الدورانَ حولها برقصةٍ غجريةٍ تقتُ لممارستِها منذُ الأزل.
------
من مجموعة " قهقهة واحدة تكفي "  2013