الاثنين، 8 ديسمبر 2014
الأربعاء، 5 نوفمبر 2014
رأس العصفورة
شعور غريب ذلك الذي واكب قراءتي لذلك الكتاب، لا أعرف وصفاً يوفيه حقه، غرابة ..تقزز ..ألم ..، صور شتى من الماضي عادت لتتماسك متشابكة الأيدي لتعمل على حصار عقلي وروحي في تلك المساحة الضيّقة.
أعادتني للمربع الأول عندما بدأ رأسي بالتضخم، في بداية الأمر فرحت أمي كثيراً بهذا التضخم وخاصة أنه كان يضيف لي مسحة جمالية مميزة وفريدة، ثم تحول فرحها فجأة لكابوس كان يقضّ مضجعها ويحيل نهارها لليل مدلهمّ السواد ، كانت تنظر صوبي وتقول متحسرة: لن تتزوجي ....لن يرضى بك رجلٌ مهما كان وأنت بهذه الحالة، وهذا الشكل الغريب، كنت أستمع لها بلامبالاة فأمر الزواج لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، كانت مشكلتي أكثر تعقيدا وأعمق رؤية من مجرد الزواج والإنجاب، كانت المشكلة تحديداً في رأسي ذلك المتضخم المشوّه، كنت أتساءل ماذا لو طالبت بتغييره ؟؟..أو تحديدا ماذا لو طالبت الطبيب بإجراء جراحة تجميلية له بحيث يعمل على تفريغه أولاً ..، ثم يقوم بقصّ الزوائد التي نبتت على أطرافه، وأحالته من رأس طبيعي جميل لهذا الشكل البشع .
تخيلت الطبيب وهو يقوم بتفريغه في وعاء، ويرمي ما يستأصله منه مع بواقي الأجنة والزوائد الدودية والكلى المستأصلة من المرضى، أرعبني المشهد بكافة تفاصيله، حاولت إلغاء المشهد والعودة للتفكير بأن الاستئصال سيصبّ لا محالة في صالحي،" سأعود تلك الجميلة التي يتقاطر العرسان على بيتها علَّ أحدهم يظفر بها ويعود منتصراً للقفص الزوجي وقد أحضر العصفورة "، مهلا هل قلت عصفورة ؟؟!! ...يا لها من نهاية سعيدة! سأطلب من الطبيب نحت رأسي؛ ليصبح في حجم رأس العصفورة، بذا سيكون القفص مريحاً، ولن أفكر بغيره، ذهبت للطبيب مسرعة؛ حتى لا تفوتني فرصة التحول لعصفورة، دخلت لغرفة الفحص بعد جهد وانتظار، جلست قبالة الطبيب المأخوذ بمشهد ذلك الرأس المشوه، بعد معاينة وفحوصات عدة، قال لي: الجراحة لن تجدي بتفريغ الرأس من محتوياته ولكن بالإمكان إضعاف طاقة تلك المحتويات، وزرع محتويات جديدة والعناية بها؛ حتى تنمو وتكبر فتأخذ مكان الأولى التي تضعف، وبهذا سيعود رأسك تدريجياً لوضعه الطبيعي، والمسألة لا تحتاج لوقت طويل، وافقت وبدأ الطبيب في زرع تلك المحتويات الجديدة، وإضعاف المحتويات الأصلية التي سببت لذلك الرأس تشوهه واعوجاجه، ما أن مضت شهور قلائل على تلك العملية, حتى عاد رأسي لطبيعته وعدت تلك الأنثى الجميلة – الحمد لله – لم تفتني فرصة التحول إلى عصفورة في قفص ذهبي؛ لأكون ملكاً لأحد محبي اقتناء العصافير الجميلة، أمي سعدت جداً برأسي الجديد، وكانت تحيطه برعاية خاصة، أفراد الأسرة كانوا أيضاً سعداء بهذا الرأس الجديد، لم يتركني أفراد الأسرة أنفرد بنفسي ولو قليلاً، كانوا يتناوبون على البقاء معي طوال الوقت، وكأن الجميع بات مرعوباً من مجرد فكرة عودة ذلك الرأس الغريب لي، تماشيت مع الرأس الجديد، وبدأت أجيد تنمية المحتويات الجديدة واستخدامها كما يجب، بعد مضي فترة من الزمن أنس أفراد الأسرة لاستقرار وضع ذلك الرأس، ولتجاوبي معه والعيش ضمن نطاق محتوياته بسلام وسعادة، بدأت المراقبة لي تقل شيئاً فشيئا، كنت أمارس حياتي باعتيادية، الأكل، الشرب، التفكير.....لا لم أكن أفكر بتاتاً، كنت فقط أعيش الحياة بشكل معتاد لم يكن هناك حاجة للتفكير والمحتويات الجديدة لم يكن عنصر التفكير يدخل من ضمنها، كنت أقوم بنشاطي الاعتيادي في تنظيف البيت وتنظيمه مساعدة لأمي التي شعرت بتعب من كثرة الأعمال المنزلية، كنت في قمة النشاط والحيوية، أنظف وأرتب عندما وجدت ذلك الكتاب، في البداية لم يدفعني لتصفحه سوى فضول من نوع غريب، ثم قررت أن أخبئه في غرفتي، أخفيته جيداً، أكملت أعمال التنظيف وفي المساء تسللت لغرفتي بحجة النوم كوني متعبة من العمل طوال اليوم في المنزل، دخلت مسرعة تناولت الكتاب وبدأت في القراءة، أحسست في البداية بشعور غريب، ثم فجأة تفجر شيء ما داخل رأسي، وضعت الكتاب جانباً وغفوت، في الصباح نهضت بصورة مغايرة لنهوضي المعتاد خرجت من الغرفة، دخلت المطبخ حيث كانت أمي.
– صباح الخير قلت لها.
- صب ا ا اح ....صرخت قبل أن تكمل صباح الخير وهي تولول لقد ضاعت البنت مرة أخرى!!
أعادتني للمربع الأول عندما بدأ رأسي بالتضخم، في بداية الأمر فرحت أمي كثيراً بهذا التضخم وخاصة أنه كان يضيف لي مسحة جمالية مميزة وفريدة، ثم تحول فرحها فجأة لكابوس كان يقضّ مضجعها ويحيل نهارها لليل مدلهمّ السواد ، كانت تنظر صوبي وتقول متحسرة: لن تتزوجي ....لن يرضى بك رجلٌ مهما كان وأنت بهذه الحالة، وهذا الشكل الغريب، كنت أستمع لها بلامبالاة فأمر الزواج لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، كانت مشكلتي أكثر تعقيدا وأعمق رؤية من مجرد الزواج والإنجاب، كانت المشكلة تحديداً في رأسي ذلك المتضخم المشوّه، كنت أتساءل ماذا لو طالبت بتغييره ؟؟..أو تحديدا ماذا لو طالبت الطبيب بإجراء جراحة تجميلية له بحيث يعمل على تفريغه أولاً ..، ثم يقوم بقصّ الزوائد التي نبتت على أطرافه، وأحالته من رأس طبيعي جميل لهذا الشكل البشع .
تخيلت الطبيب وهو يقوم بتفريغه في وعاء، ويرمي ما يستأصله منه مع بواقي الأجنة والزوائد الدودية والكلى المستأصلة من المرضى، أرعبني المشهد بكافة تفاصيله، حاولت إلغاء المشهد والعودة للتفكير بأن الاستئصال سيصبّ لا محالة في صالحي،" سأعود تلك الجميلة التي يتقاطر العرسان على بيتها علَّ أحدهم يظفر بها ويعود منتصراً للقفص الزوجي وقد أحضر العصفورة "، مهلا هل قلت عصفورة ؟؟!! ...يا لها من نهاية سعيدة! سأطلب من الطبيب نحت رأسي؛ ليصبح في حجم رأس العصفورة، بذا سيكون القفص مريحاً، ولن أفكر بغيره، ذهبت للطبيب مسرعة؛ حتى لا تفوتني فرصة التحول لعصفورة، دخلت لغرفة الفحص بعد جهد وانتظار، جلست قبالة الطبيب المأخوذ بمشهد ذلك الرأس المشوه، بعد معاينة وفحوصات عدة، قال لي: الجراحة لن تجدي بتفريغ الرأس من محتوياته ولكن بالإمكان إضعاف طاقة تلك المحتويات، وزرع محتويات جديدة والعناية بها؛ حتى تنمو وتكبر فتأخذ مكان الأولى التي تضعف، وبهذا سيعود رأسك تدريجياً لوضعه الطبيعي، والمسألة لا تحتاج لوقت طويل، وافقت وبدأ الطبيب في زرع تلك المحتويات الجديدة، وإضعاف المحتويات الأصلية التي سببت لذلك الرأس تشوهه واعوجاجه، ما أن مضت شهور قلائل على تلك العملية, حتى عاد رأسي لطبيعته وعدت تلك الأنثى الجميلة – الحمد لله – لم تفتني فرصة التحول إلى عصفورة في قفص ذهبي؛ لأكون ملكاً لأحد محبي اقتناء العصافير الجميلة، أمي سعدت جداً برأسي الجديد، وكانت تحيطه برعاية خاصة، أفراد الأسرة كانوا أيضاً سعداء بهذا الرأس الجديد، لم يتركني أفراد الأسرة أنفرد بنفسي ولو قليلاً، كانوا يتناوبون على البقاء معي طوال الوقت، وكأن الجميع بات مرعوباً من مجرد فكرة عودة ذلك الرأس الغريب لي، تماشيت مع الرأس الجديد، وبدأت أجيد تنمية المحتويات الجديدة واستخدامها كما يجب، بعد مضي فترة من الزمن أنس أفراد الأسرة لاستقرار وضع ذلك الرأس، ولتجاوبي معه والعيش ضمن نطاق محتوياته بسلام وسعادة، بدأت المراقبة لي تقل شيئاً فشيئا، كنت أمارس حياتي باعتيادية، الأكل، الشرب، التفكير.....لا لم أكن أفكر بتاتاً، كنت فقط أعيش الحياة بشكل معتاد لم يكن هناك حاجة للتفكير والمحتويات الجديدة لم يكن عنصر التفكير يدخل من ضمنها، كنت أقوم بنشاطي الاعتيادي في تنظيف البيت وتنظيمه مساعدة لأمي التي شعرت بتعب من كثرة الأعمال المنزلية، كنت في قمة النشاط والحيوية، أنظف وأرتب عندما وجدت ذلك الكتاب، في البداية لم يدفعني لتصفحه سوى فضول من نوع غريب، ثم قررت أن أخبئه في غرفتي، أخفيته جيداً، أكملت أعمال التنظيف وفي المساء تسللت لغرفتي بحجة النوم كوني متعبة من العمل طوال اليوم في المنزل، دخلت مسرعة تناولت الكتاب وبدأت في القراءة، أحسست في البداية بشعور غريب، ثم فجأة تفجر شيء ما داخل رأسي، وضعت الكتاب جانباً وغفوت، في الصباح نهضت بصورة مغايرة لنهوضي المعتاد خرجت من الغرفة، دخلت المطبخ حيث كانت أمي.
– صباح الخير قلت لها.
- صب ا ا اح ....صرخت قبل أن تكمل صباح الخير وهي تولول لقد ضاعت البنت مرة أخرى!!
=========
من المجموعة القصصية " وشوشات قلم أحمر "
من المجموعة القصصية " وشوشات قلم أحمر "
الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014
من الذاكرة " اللغة العربية "
علاقتي مع اللغة العربية كانت الأسوأ طوال سنوات الدراسة، ليس بسبب عدم رغبتي في دراستها ولا كسلاً مني، وإنما لدور المعّلم وتأثيره على الطالب والذي تجلى واضحاً في حالتي.
بداية الأمر كانت عندما انتقلنا من " وادي موسى/ البتراء " إلى مدينة " معان " بسبب سفر والدي للعمل خارج الأردن، في الدرس الأول لمادة اللغة العربية وكانت أول " حصة " دخلت المعلمة للصف، وكنتُ مرتبكة، لا أعرف ولا طالبة في الصف، تنبهت لوجودي وسألتني عن اسمي، فما كان منها إلا أن قالت مثلا شعبياً ما زال مستخدماً حتى الآن، - لي معه قصة أخرى قد أكتبها لاحقاً -،: (ما بجيك من الغرب غير يلي يغم القلب)، كان هذا هو الحجاب الثقيل الذي غطى كل طاقاتي الطفولية المتدفقة للعلم والتعلم، وخاصة مادة اللغة العربية، رغم كوني قارئة منذ الطفولة، حيث كنت أقوم بقراءة كل ما يقع تحت يدي من مكتبة والدي مستغلة غيابه عن البيت بداية الأمر، قبل وفاته لاحقاً.
بعد ثلاثة سنوات تغيرت المعلمة، بأخرى تربطها بأمي صلة قرابة، لا يذهب تفكيركم باتجاه آخر، كانت معلمة صارمة، شديدة، وضعتني ومنذ اليوم الأول وكل تصرف أقوم به تحت المجهر، وليتها كانت تشاهد حقيقة ما أقوم به ولا تنسج قصصاً من خيالها لتغذي أفكارها عني بصفتي " غريبة " رماها الحظ في مجال مراقبتها، و – ولعب القدر لعبته في هذه الفترة وحصلت على لقب يتيمة – المهم أنها كانت كابوساً يقبع على صدري، كرهت درس اللغة العربية بشدة، ولكم أن تتخيلوا كم التأثير الذي وقعت تحته وأنا أقاوم مشاعر بادلتني العدائية لسبب لا أفهمه على مدى تقبلي للمادة الدراسية.
في المرحلة الثانوية الأولى بدأت معلمة اللغة العربية لطيفة للوهلة الأولى، بعد أكثر من شهر تم تكليفها بإدارة المدرسة بالإضافة لتدريس اللغة العربية لبعض الصفوف وكنت أنا طالبة في هذه الصفوف القليلة، بعد أن استلمت الإدارة بشهر استدعتني لغرفتها، بدأت في ديباجة مديح لأخلاقي وتميزي في الفصل – وهذا غير صحيح حيث لم أكن مميزة في دروس اللغة العربية دوناُ عن كل المواد الدراسية الأخرى التي كان تجميعي فيها ممتاز -، بعد هذا طلبت مني أن أقوم بالتجسس على طالبات الصف لأوافيها بأخبارهن، - جاسوسة - ! كانت ردة فعلي طبيعية لطالبة تحترم نفسها: لن أقوم بالتجسس يا معلمتي، هنا فُتحت أبواب جهنم على مصراعيها لتصب فوق رأسي المرهق من اللغة العربية ومعلمات اللغة العربية، أصبحت تنتظرني في الطابور الصباحي وأمام جميع الطالبات تطلب مني أن أقوم بمسح آثار الماكياج المزعوم، كنت أمسح وجهي وأعطيها المنديل الورقي خالياً من أي مساحيق أو آثار تدل على أنني كنت قد وضعتها سابقاً، لأكثر من شهر أصبحت من ضمن البرنامج الصباحي للمدرسة والمديرة، إلا أنني لم أستطع أن أتحمل أكثر، فأصبت بنوبة غضب شديدة فكنت أمسح وجهي بشدة وأنا أصرخ عليها بأن هذا يكفي ولا يحق لها أن تعاملني بهذا الشكل لاحقاً، تأثرت بعض المعلمات بما حصل ويبدو أنهن طلبن منها أن تتوقف، وتوقفت في اليوم التالي!
في السنة الأخيرة حضرت معلمة شابة لتدريسنا اللغة العربية، كانت متغطرسة، تجمعت الطالبات حولها ممجدات و متملقات لها، ولم أكن من الجوقة، سألتني مرة باستفزاز واضح: شو اسمك الكامل رائدة.
أجبتها على السؤال، فما كان منها إلا أن قالت : طيب وعلى شو دخلك شايفه حالك، هو ما في طالبة حلوة بالصف غيرك؟؟
كان هذا آخر ما أفكر فيه في سنتي الأخيرة في المدرسة ومن بدايتها، أي علامة سيئة في اللغة العربية !!
عمدت لخطة تجنبني سؤال المعلمة عن أي معلومة، أحضرت ورقة امتحان توجيهي سابقة، وعرفت كيف تقّسم العلامات، فما كان مني إلا أن طرحت من العلامات (30 ) علامة، الخاصة بالقواعد والنحو، وركزت على كل ما تبقى بصفته المنقذ لي لأنتهي من معاناة مادة اللغة العربية ومعلماتها اللواتي تكاتفن دون تنسيق على كرهي لها، وحصل ما خططت له، وحصلت في اللغة العربية في التوجيهي على تقدير جيد مرتفع، رغم أنني أهملت كل الأسئلة المتعلقة بالقواعد والنحو!! وتخلصت من معلماتها أيضاً.
بداية الأمر كانت عندما انتقلنا من " وادي موسى/ البتراء " إلى مدينة " معان " بسبب سفر والدي للعمل خارج الأردن، في الدرس الأول لمادة اللغة العربية وكانت أول " حصة " دخلت المعلمة للصف، وكنتُ مرتبكة، لا أعرف ولا طالبة في الصف، تنبهت لوجودي وسألتني عن اسمي، فما كان منها إلا أن قالت مثلا شعبياً ما زال مستخدماً حتى الآن، - لي معه قصة أخرى قد أكتبها لاحقاً -،: (ما بجيك من الغرب غير يلي يغم القلب)، كان هذا هو الحجاب الثقيل الذي غطى كل طاقاتي الطفولية المتدفقة للعلم والتعلم، وخاصة مادة اللغة العربية، رغم كوني قارئة منذ الطفولة، حيث كنت أقوم بقراءة كل ما يقع تحت يدي من مكتبة والدي مستغلة غيابه عن البيت بداية الأمر، قبل وفاته لاحقاً.
بعد ثلاثة سنوات تغيرت المعلمة، بأخرى تربطها بأمي صلة قرابة، لا يذهب تفكيركم باتجاه آخر، كانت معلمة صارمة، شديدة، وضعتني ومنذ اليوم الأول وكل تصرف أقوم به تحت المجهر، وليتها كانت تشاهد حقيقة ما أقوم به ولا تنسج قصصاً من خيالها لتغذي أفكارها عني بصفتي " غريبة " رماها الحظ في مجال مراقبتها، و – ولعب القدر لعبته في هذه الفترة وحصلت على لقب يتيمة – المهم أنها كانت كابوساً يقبع على صدري، كرهت درس اللغة العربية بشدة، ولكم أن تتخيلوا كم التأثير الذي وقعت تحته وأنا أقاوم مشاعر بادلتني العدائية لسبب لا أفهمه على مدى تقبلي للمادة الدراسية.
في المرحلة الثانوية الأولى بدأت معلمة اللغة العربية لطيفة للوهلة الأولى، بعد أكثر من شهر تم تكليفها بإدارة المدرسة بالإضافة لتدريس اللغة العربية لبعض الصفوف وكنت أنا طالبة في هذه الصفوف القليلة، بعد أن استلمت الإدارة بشهر استدعتني لغرفتها، بدأت في ديباجة مديح لأخلاقي وتميزي في الفصل – وهذا غير صحيح حيث لم أكن مميزة في دروس اللغة العربية دوناُ عن كل المواد الدراسية الأخرى التي كان تجميعي فيها ممتاز -، بعد هذا طلبت مني أن أقوم بالتجسس على طالبات الصف لأوافيها بأخبارهن، - جاسوسة - ! كانت ردة فعلي طبيعية لطالبة تحترم نفسها: لن أقوم بالتجسس يا معلمتي، هنا فُتحت أبواب جهنم على مصراعيها لتصب فوق رأسي المرهق من اللغة العربية ومعلمات اللغة العربية، أصبحت تنتظرني في الطابور الصباحي وأمام جميع الطالبات تطلب مني أن أقوم بمسح آثار الماكياج المزعوم، كنت أمسح وجهي وأعطيها المنديل الورقي خالياً من أي مساحيق أو آثار تدل على أنني كنت قد وضعتها سابقاً، لأكثر من شهر أصبحت من ضمن البرنامج الصباحي للمدرسة والمديرة، إلا أنني لم أستطع أن أتحمل أكثر، فأصبت بنوبة غضب شديدة فكنت أمسح وجهي بشدة وأنا أصرخ عليها بأن هذا يكفي ولا يحق لها أن تعاملني بهذا الشكل لاحقاً، تأثرت بعض المعلمات بما حصل ويبدو أنهن طلبن منها أن تتوقف، وتوقفت في اليوم التالي!
في السنة الأخيرة حضرت معلمة شابة لتدريسنا اللغة العربية، كانت متغطرسة، تجمعت الطالبات حولها ممجدات و متملقات لها، ولم أكن من الجوقة، سألتني مرة باستفزاز واضح: شو اسمك الكامل رائدة.
أجبتها على السؤال، فما كان منها إلا أن قالت : طيب وعلى شو دخلك شايفه حالك، هو ما في طالبة حلوة بالصف غيرك؟؟
كان هذا آخر ما أفكر فيه في سنتي الأخيرة في المدرسة ومن بدايتها، أي علامة سيئة في اللغة العربية !!
عمدت لخطة تجنبني سؤال المعلمة عن أي معلومة، أحضرت ورقة امتحان توجيهي سابقة، وعرفت كيف تقّسم العلامات، فما كان مني إلا أن طرحت من العلامات (30 ) علامة، الخاصة بالقواعد والنحو، وركزت على كل ما تبقى بصفته المنقذ لي لأنتهي من معاناة مادة اللغة العربية ومعلماتها اللواتي تكاتفن دون تنسيق على كرهي لها، وحصل ما خططت له، وحصلت في اللغة العربية في التوجيهي على تقدير جيد مرتفع، رغم أنني أهملت كل الأسئلة المتعلقة بالقواعد والنحو!! وتخلصت من معلماتها أيضاً.
الأحد، 19 أكتوبر 2014
ليلة لشبونة – رشة ملح على جرح - إريش ريمارك
*رائدة زقوت
ليلة لشبونة – رشة ملح على جرح - إريش ريمارك
رواية تسحبك لأحداثها حتى النفس الأخير، ألمانيا النازية بمآسيها تختزل في ليلة واحدة عبر سرد شيق ولغة رشيقة تذوب في الفم، رغم الأسى كقطعة السكر.
لا تملك وأنت تمر بأحداث هذه الرواية إلا أن تقترب بعقلك من هنا من منطقتنا العربية المشتعلة حد الضياع.
هل نحن ضحايا جدد لنازيين جدد ؟؟ هل سيعيد التاريخ صدمته الحضارية عبر جثثنا التي بات القريب والغريب يتبرع بتركها طعاماً للغربان؟ ...فلسطين التي فرّغ اليهود أحقادهم الدفينة فيها عبر القتل والتهجير و محاولة محو الآخر في انتقام غير مبرر للمحارق النازية بحقهم...!
العراق التي ما أن حطت أقدام الغرب فيها حتى تحولت لساحات للموت والتعذيب غير الرحيم أو المقبول بأي شكل؟
سوريا وقد استباح رهط من القتلة دم أهلها وهجروهم وهتكوا أعراضهم في تحدٍ صارخ لكل القيم الإنسانية، باسم السلطة وكرسي العرش، وباسم الدين والحياة الفضلى، بطريقة تفوقت على ما فعله الألمان باليهود، وما فعله اليهود بأهل فلسطين لاحقاً!!
إن كتب أحد العشاق الناجين من محارق الأنظمة العربية، أو محارق اليهود والغرب روايته - - على سبيل التشبيه ب " ليلة لشبونة " - كيف سيوصل للعالم مآسينا وويلاتنا التي لم نتمكن من تجاوزها منذ الحروب العالمية؟! هل سيكتب للعالم عن فترات الهدوء التي طالتنا لسنوات حتى تناسينا أننا نعيش في بؤرة مشتعلة منذ أكثر من قرنيين؟ ... هل سيختار له حبيبة تأمن جانبه لو غدر به البحر كما غدر بالمهاجرين وقدَّمهم طعاماً سائغاً لأسماك القرش؟؟
ثم السؤال الذي سيبرز دائماً كم – إريش ريمارك – نحتاج لنوصل للعالم أن ما يحصل عندنا وفي منطقتنا فاق بمئات المرات ما تعرض له العالم على أيدي النازيين !
السرد الروائي الذكي يقوم مقام السفير النشيط الوطني؛ الذي يبذل أقصى طاقته لتلميع صورة بلده وإيصال قضاياها للعالم.
كم نغفل عن الأدب ودوره عندما نفرغ طاقاتنا في رصف كلمات لا توجه حروفها صوب الآخر ليعي ما تعيشه المنطقة...! كم نغفل عندما نعلق الحب بشخص المحب دون أن نشركه في حروبنا الممتدة! نحتاج لشحذ الهمم الأدبية والخروج من بوتقة أننا الأقل حظاً والأكثر ظلماً – على الأقل – أدبياً، لنقنع الآخر بأننا نعاني كما عانوا قبل سنوات، وأننا بشر نتقن فن الحب أكثر مما نتقن صناعة الحروب، وأن الخوافق وإن غلَّفها صمت العربي وصرامة ملامحه، ما زالت تبحث عن الحياة، لترسم الغد وفق قوانين إنسانية عادلة، تخرجنا من دائرة الصراع والموت لنعيش كما ينبغي للإنسانية أن تعيش.
______
*كاتبة من الأردن
http://www.thaqafat.com/News.aspx?id=9238&sid=20#.VESb7yKUeJ0
الاثنين، 24 فبراير 2014
«النقاد الأردنيين» تنتدي حول «قهقهة واحدة تكفي» للقاصة رائدة زقوت
عمان - الدستور
قال الناقد د. شفيق النوباني، إن القاصة رائدة زقوت تفتتح مجموعتها «قهقهة واحدة تكفي» بنص مفتاحي يكشف رؤيتها للكتابة ومحدداتها، ليكون أشبه بدستور ينطلق منه فعل الكتابة عندها، من دون أن يتنازل هذا النص عن اجتهاد المتلقي في التفسير والتأول، إذ يتباطأ الحدث ليتوقف عند حوار بين القلب والعقل، فيتناول جدليتهما أثناء إبداع النص الأدبي، ليقترب من حوار الشخصية مع قرينها بما يدخلها في صراع داخلي قد يؤدي إلى اتخاذ القرار، وهذا ما أشارت إليه القاصة رائدة زقوت في شهادتها إذ تقول: من عمق هذه التجربة والتَّجاذب بين العقل والقلب خرجت القهقهة بوجعها العام الذي نعيش تفاصيله يومياً.
قال الناقد د. شفيق النوباني، إن القاصة رائدة زقوت تفتتح مجموعتها «قهقهة واحدة تكفي» بنص مفتاحي يكشف رؤيتها للكتابة ومحدداتها، ليكون أشبه بدستور ينطلق منه فعل الكتابة عندها، من دون أن يتنازل هذا النص عن اجتهاد المتلقي في التفسير والتأول، إذ يتباطأ الحدث ليتوقف عند حوار بين القلب والعقل، فيتناول جدليتهما أثناء إبداع النص الأدبي، ليقترب من حوار الشخصية مع قرينها بما يدخلها في صراع داخلي قد يؤدي إلى اتخاذ القرار، وهذا ما أشارت إليه القاصة رائدة زقوت في شهادتها إذ تقول: من عمق هذه التجربة والتَّجاذب بين العقل والقلب خرجت القهقهة بوجعها العام الذي نعيش تفاصيله يومياً.
غير أن د. النوباني خلص في ورقته التي قدمها مساء الأربعاء، في الحفل الذي أقامته جمعية النقاد في مقر رابطة الكتاب الأردنيين احتفاء بالمجموعة الجديدة للقاصة رائدة زقوت «قهقهة واحدة تكفي، إلى القول، إن المجموعة القصصية في دستورها لم تحدد مفهوم النص الذي يخضع لسلطة العقل، فهل يمكن أن نعدّ هذه السلطة متعلقة بأدوات القص التي بدت لافتة في النسيج السردي، أو أنها تشير إلى سلطة العقل من منطلق الضمير الجمعي؟ أتصور أن التفسيرين ينطبقان على قصص زقوت، والناظر في قصص المجموعة سيجد ما يتناول علاقة المرأة بالرجل وفق تحديدات يمليها العقل الجمعي، ففي قصة «قلب المتاهة» لم تتعلم المرأة من تجربة صديقتها مع من تحب لتقع مجددا في مصيدة الرجل، وفي قصة «عندما سقطت ليلة من ألف ليلة» تتحقق إدانة الرجل من خلال حوار حول العلاقة العاطفية بينهما.
من جهتها قالت زقوت وهي تتحدث عن تجربتها الإبداعية لقد شغلتني المرأة بضع سنوات، المرأة البعيدة عن محور اهتمام وسائل الإعلام، تلك المناضلة بصمت، مسلوبة الحقّ والإرادة في مجتمع بات يشهد انفتاحاً في الكثير من مناحيه، إلا العادات والتَّقاليد التي تقلل من شأن المرأة وعقلها، فأوليتُها الاهتمام الأكبر وخصَصتها بالعديد من النُّصوص والمقالات، حيث تناولتها من أكثر من زاوية وعلى أكثر من صعيد، إذ غصَّت في داخلها محاولةً التنبيه لمشاعرها الخفيَّة، وطرحت قضاياها المجتمعيَّة بواقعيَّة تارة وبرمزيَّة تارة أخرى، كان هذا قبل أن تسلبني الظُّروف العربية المحيطة لقطة السَّعادة المنتظرة، و تقف بي على أطراف الأحلام دون أنْ تدعني أتوغَّل فيها، تهرب مني ولا ينفكُّ الحرف يعيدني إليها لأكتبها بكل ما فيها، مشيرة إلى أنها تتحلَّل كليَّاً من النَّص بعد أنْ يخرج للعلن، وتغلق ملفه على قلقٍ مشروعٍ بجدوى الكتابة، وكان د. النوباني ذهب إلى تقديم استشهادات من داخل المجموعة القصصية، إذْ تناول في قراءته أكثر من قصة من قصص المجموعة.
الأمسية التي جاءت في إطار نشاطات جمعية النقاد، أدارتها وقدمتها الباحثة د. نداء مشعل التي أشادت بتجربة زقوت، وبجدوى النقد الذي تنشغل به جمعية النقاد، وحضر الأمسية جمهور من المهتمين حيث قامت زقوت بتوقيع مجموعتها الجديدة.
من جهتها قالت زقوت وهي تتحدث عن تجربتها الإبداعية لقد شغلتني المرأة بضع سنوات، المرأة البعيدة عن محور اهتمام وسائل الإعلام، تلك المناضلة بصمت، مسلوبة الحقّ والإرادة في مجتمع بات يشهد انفتاحاً في الكثير من مناحيه، إلا العادات والتَّقاليد التي تقلل من شأن المرأة وعقلها، فأوليتُها الاهتمام الأكبر وخصَصتها بالعديد من النُّصوص والمقالات، حيث تناولتها من أكثر من زاوية وعلى أكثر من صعيد، إذ غصَّت في داخلها محاولةً التنبيه لمشاعرها الخفيَّة، وطرحت قضاياها المجتمعيَّة بواقعيَّة تارة وبرمزيَّة تارة أخرى، كان هذا قبل أن تسلبني الظُّروف العربية المحيطة لقطة السَّعادة المنتظرة، و تقف بي على أطراف الأحلام دون أنْ تدعني أتوغَّل فيها، تهرب مني ولا ينفكُّ الحرف يعيدني إليها لأكتبها بكل ما فيها، مشيرة إلى أنها تتحلَّل كليَّاً من النَّص بعد أنْ يخرج للعلن، وتغلق ملفه على قلقٍ مشروعٍ بجدوى الكتابة، وكان د. النوباني ذهب إلى تقديم استشهادات من داخل المجموعة القصصية، إذْ تناول في قراءته أكثر من قصة من قصص المجموعة.
الأمسية التي جاءت في إطار نشاطات جمعية النقاد، أدارتها وقدمتها الباحثة د. نداء مشعل التي أشادت بتجربة زقوت، وبجدوى النقد الذي تنشغل به جمعية النقاد، وحضر الأمسية جمهور من المهتمين حيث قامت زقوت بتوقيع مجموعتها الجديدة.
http://www.addustour.com/sn/909859/
القاصة زقوت توقع "قهقهة واحدة تكفي" في رابطة الكتاب
عزيزة علي
عمان - وقعت القاصة الأردنية رائدة زقوت، أول من أمس، في مقر رابطة الكتاب، مجموعتها القصصية الثانية "قهقهة واحدة تكفي"، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، في عمان، وبدعم من وزارة الثقافة.
قالت القاصة في الحفل الذي نظمته جمعية النُّقاد الأردنيين، وشارك فيه د. شفيق النوباني، وأدارته نداء مشعل، "اقتربتُ في هذه المجموعة من الإنسان فينا، بغضِّ النَّظر عن جنسه، ووضعته في مواجهة نفسه تارةً، وفي مواجهة محيطه تارةً أخرى، ونقلته بعدها ليطوف في وطنه الأكبر، دون حاجةٍ لجواز سفرٍ غير عقله، أو ما تبقَّى له منه بعد متابعة مجرى الأمور."
جاءت المجموعة القصصية في 115 صفحة، وتضم عشرين قصة قصيرة، ذهبت فيها القاصة نحو العوالم الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، بأسلوبها الخاص الذي تميز بالتقاطات متفردة عاينتها بلغة ورؤى "فنتازية" لا تبتعد فيها كثيراً عن التقاطعات في المحكي القصصي.
وأضافت المؤلفة، وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، "انشغلت بقضايا المرأة، البعيدة عن اهتمام وسائل الإعلام بها، تلك المرأة المناضلة، مسلوبة الحقّ والإرادة، في مجتمع بات يشهد انفتاحاً في الكثير من مناحيه، إلا من العادات والتَّقاليد التي تقلل من شأنها وعقلها".
وأشارت زقوت إلى أنها أولت المرأة في مجموعتها القصصصية الأولى "وشوشات قلم أحمر"، اهتماما كبيرا، وأفردت مساحة كبيرة لها، في أكثر من زاوية، وعلى أكثر من صعيد.
وقد تنوعت موضوعات القصص، بحسب زقوت، بين سبر عوالم المرأة التي اهتمت بها، وبين البنى العامة في الحياة اليومية، وما يعانيه الفرد العربي من إشكاليات تعيق حياته، إذ بدت في القصص تلك النزعة التي تحتوي على عناصر التحليل الذي يفضي إلى أصل الأزمة، وبالتالي معاينتها.
رأى الناقد د. شفيق النوباني، أن زقوت مشغولة بالواقع، وهموم المرأة، إلا أنها تكتفي في بعض قصصها بتلمس هذا الواقع دون أن تخوض فيه. فهي تعبر عن انفعالها وتأثرها به، ولاسيما في بعض قصصها القصيرة جدا. ففي قصة "أبيض قان" تتحول الجثث الكثيرة إلى "اللون الأبيض الناصع الذي لا يخالطه دنس"، في إشارة إلى مفهوم الشهادة، حيث لن يحتاج القارئ إلى اجتهاد كبير ليكمّل الصورة من خلال الواقع المحيط.
وأشار النوباني إلى انشغال المؤلفة بالحالة الحضارية للأمة، ففي قصة "رأس يدق نافذة الموتى" يمثل الحلم الأداة الأساسية في بناء قصة تتخذ من الترميز اللغوري إطارا لها، فكابوس قيس الذي يلازمه منذ طفولته يتحقق بعد ملازمته للوفد "الأجنبي الذي حضر للبلد للقيام بجولة في الأحياء الفقيرة والأقل حظا". وعلى الرغم من أن الطبيب المواطن طمّن قيس تجاه حلمه الذي تتآكل فيه أعضاؤه من قبل كلب أسود إلا أن خط سير الأحداث يقوده إلى استشارة طبيب أجنبي أرشدته إليه "ماجي"، أحد أعضاء الوفد، حيث يتنبأ له بتحقق الحلم نتيجة مرض عضال.
وأوضح النوباني أن فعل الكتابة الأدبية لا ينفصل عن الرؤية التي يسعى الكاتب إلى توصيلها، وإذا كانت الرؤية تحتاج اجتهادا من المتلقي ليسبر النص بأدواته المتنوعة، فإن القاصة تفتتح مجموعتها "قهقهة واحدة تكفي" بنص مفتاحي يكشف رؤيتها للكتابة ومحدداتها، ليكون أشبه بدستور ينطلق منه فعل الكتابة عندها، دون أن يتنازل هذا النص عن اجتهاد المتلقي في التفسير والتأويل.
وتحدث النوباني كيف ربطت زقوت في قصتها "خروج سافر على النص" بين ما أسمته بالنصوص القلبية وتيارات الحداثة، إذ اعتبرت الحياة البدائية للإنسان أساسها، وفي حين ركز النص على تناول هذه الفكرة ترك للعقل مهمة تأطير العاطفة – إذا جاز هذا التعبير – دون أن يصور النص العقلي في طابع معين.
وأضاف النوباني "بدت المدينة في هاتين القصتين، بوصفها مكانا قاسيا غير أليف، ومع أنها لم تبد بصورة إيجابية في قصة "دون محار" إلا أنها تبدو من خلال وجهة نظر أخرى، فالمدينة تصرخ لتعبّر عن حاجتها إلى المخلص، فالحارس الذي يرمز إلى السلطة يتطاول على المدينة، "يعلو صوت المدينة، وينخفض صوت الموج، تتطاول يد المدينة على الحارس، تحاول أن ترد الصفعة بيد من رمل، تتفتت يدها على كتف الحارس".
ورأى النوباني أن قصة "دون محار" تقوم على ترميز أيقوني لا يمكن أن نحصره في حالة الربيع العربي، كما لا يمكن أن نخرجه من سياق المرحلة التاريخية التي بدت ملامحها في عدد من قصص المجموعة.
وفي ختام الحفل قامت زقوت - التي بدأت مسيرتها الإبداعية كمدونة وناشطة - بتوقيع مجموعاتها القصصية.
قالت القاصة في الحفل الذي نظمته جمعية النُّقاد الأردنيين، وشارك فيه د. شفيق النوباني، وأدارته نداء مشعل، "اقتربتُ في هذه المجموعة من الإنسان فينا، بغضِّ النَّظر عن جنسه، ووضعته في مواجهة نفسه تارةً، وفي مواجهة محيطه تارةً أخرى، ونقلته بعدها ليطوف في وطنه الأكبر، دون حاجةٍ لجواز سفرٍ غير عقله، أو ما تبقَّى له منه بعد متابعة مجرى الأمور."
جاءت المجموعة القصصية في 115 صفحة، وتضم عشرين قصة قصيرة، ذهبت فيها القاصة نحو العوالم الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، بأسلوبها الخاص الذي تميز بالتقاطات متفردة عاينتها بلغة ورؤى "فنتازية" لا تبتعد فيها كثيراً عن التقاطعات في المحكي القصصي.
وأضافت المؤلفة، وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، "انشغلت بقضايا المرأة، البعيدة عن اهتمام وسائل الإعلام بها، تلك المرأة المناضلة، مسلوبة الحقّ والإرادة، في مجتمع بات يشهد انفتاحاً في الكثير من مناحيه، إلا من العادات والتَّقاليد التي تقلل من شأنها وعقلها".
وأشارت زقوت إلى أنها أولت المرأة في مجموعتها القصصصية الأولى "وشوشات قلم أحمر"، اهتماما كبيرا، وأفردت مساحة كبيرة لها، في أكثر من زاوية، وعلى أكثر من صعيد.
وقد تنوعت موضوعات القصص، بحسب زقوت، بين سبر عوالم المرأة التي اهتمت بها، وبين البنى العامة في الحياة اليومية، وما يعانيه الفرد العربي من إشكاليات تعيق حياته، إذ بدت في القصص تلك النزعة التي تحتوي على عناصر التحليل الذي يفضي إلى أصل الأزمة، وبالتالي معاينتها.
رأى الناقد د. شفيق النوباني، أن زقوت مشغولة بالواقع، وهموم المرأة، إلا أنها تكتفي في بعض قصصها بتلمس هذا الواقع دون أن تخوض فيه. فهي تعبر عن انفعالها وتأثرها به، ولاسيما في بعض قصصها القصيرة جدا. ففي قصة "أبيض قان" تتحول الجثث الكثيرة إلى "اللون الأبيض الناصع الذي لا يخالطه دنس"، في إشارة إلى مفهوم الشهادة، حيث لن يحتاج القارئ إلى اجتهاد كبير ليكمّل الصورة من خلال الواقع المحيط.
وأشار النوباني إلى انشغال المؤلفة بالحالة الحضارية للأمة، ففي قصة "رأس يدق نافذة الموتى" يمثل الحلم الأداة الأساسية في بناء قصة تتخذ من الترميز اللغوري إطارا لها، فكابوس قيس الذي يلازمه منذ طفولته يتحقق بعد ملازمته للوفد "الأجنبي الذي حضر للبلد للقيام بجولة في الأحياء الفقيرة والأقل حظا". وعلى الرغم من أن الطبيب المواطن طمّن قيس تجاه حلمه الذي تتآكل فيه أعضاؤه من قبل كلب أسود إلا أن خط سير الأحداث يقوده إلى استشارة طبيب أجنبي أرشدته إليه "ماجي"، أحد أعضاء الوفد، حيث يتنبأ له بتحقق الحلم نتيجة مرض عضال.
وأوضح النوباني أن فعل الكتابة الأدبية لا ينفصل عن الرؤية التي يسعى الكاتب إلى توصيلها، وإذا كانت الرؤية تحتاج اجتهادا من المتلقي ليسبر النص بأدواته المتنوعة، فإن القاصة تفتتح مجموعتها "قهقهة واحدة تكفي" بنص مفتاحي يكشف رؤيتها للكتابة ومحدداتها، ليكون أشبه بدستور ينطلق منه فعل الكتابة عندها، دون أن يتنازل هذا النص عن اجتهاد المتلقي في التفسير والتأويل.
وتحدث النوباني كيف ربطت زقوت في قصتها "خروج سافر على النص" بين ما أسمته بالنصوص القلبية وتيارات الحداثة، إذ اعتبرت الحياة البدائية للإنسان أساسها، وفي حين ركز النص على تناول هذه الفكرة ترك للعقل مهمة تأطير العاطفة – إذا جاز هذا التعبير – دون أن يصور النص العقلي في طابع معين.
وأضاف النوباني "بدت المدينة في هاتين القصتين، بوصفها مكانا قاسيا غير أليف، ومع أنها لم تبد بصورة إيجابية في قصة "دون محار" إلا أنها تبدو من خلال وجهة نظر أخرى، فالمدينة تصرخ لتعبّر عن حاجتها إلى المخلص، فالحارس الذي يرمز إلى السلطة يتطاول على المدينة، "يعلو صوت المدينة، وينخفض صوت الموج، تتطاول يد المدينة على الحارس، تحاول أن ترد الصفعة بيد من رمل، تتفتت يدها على كتف الحارس".
ورأى النوباني أن قصة "دون محار" تقوم على ترميز أيقوني لا يمكن أن نحصره في حالة الربيع العربي، كما لا يمكن أن نخرجه من سياق المرحلة التاريخية التي بدت ملامحها في عدد من قصص المجموعة.
وفي ختام الحفل قامت زقوت - التي بدأت مسيرتها الإبداعية كمدونة وناشطة - بتوقيع مجموعاتها القصصية.
http://www.alghad.jo//articles/504658
الجمعة، 7 فبراير 2014
فصول التذمر و الوجع، قراءة نقدية مشتركة
أو الهاجس المشترك في الكتابات الراهنة امرأة النرجس/ وشوشات قلم أحمر / زحف الهاوية سيرة الألم.
وجدتني أمام إشكالية عنونة هذا المقال و كنت في البدء عمدت إلى هذه الأعمال لتتبع الهواجس المشتركة في الكتابة العربية الراهنة، فهل يكون الهاجس المشترك في الكتابات العربية الراهنة ؟ أم تراه قراءة سريعة في أعمال أدبية مختلفة ؟ أم يكون: صدر حديثا، لكون الأعمال المقصودة وليدة السنة الجارية من حيث الطبع ؟، و ما كان الانتقاء عفويا مطلقا بل تعد العينات الثلاثة المأخوذة تشمل أجناسا أدبية مختلفة و هي:
1- وشوشات قلم أحمر مجموعة قصصية لـ رائدة زقوت من الأردن؛ كعمل أبداعي في بيئة عربية مشرقية بلغة عربية.
2- امرأة النرجس مجموعة شعرية لمنى بسباس السلامي من تونس كعمل أبداعي في بيئة مغربية بلغة أجنبية /لغة النص الأصل فرنسية/.
3- زحف الهاوية سيرة الألم رواية لـ عز الدين جوهري كعمل أبداعي في بيئة المشرق و المغرب معا بلغة عربية.وكان القصد التعريف بتواجد هذه الأعمال على الساحة الثقافية أولا وتتبع الهاجس مجانبة للأحكام الجاهزة لكن رصداً لنقاط الالتقاء في كنف حال وحدته وسائل الاتصال الحديثة زيادة على الوشائج الروحية و العرقية و التطلع المشترك أو كما أوردها عز الدين جوهري:رفي أي شيء نتشابه؟ في العطش نتشابه، نتشابه في الجوع محي البشرية من تخمتها.. كلانا نتشبث بالتفاؤل و الأمل.
يأتينا /وشوشات قلم أحمر/ بـ 28 قصة قصيرة نقرأ فيها:
مسافة سفر: الحياة نفسها مسافة سفر لكن حين تتوزعنا الخيارات ترانا نتشظى، فهل تراه الماضي و الحاضر المعاش المألوف من ينتصر أم الذي يتوزعنا من بعيد كحلم جميل قد لا تكون الفصول مواتية لحدوثه، ليتم الانتصار للوفاء.
رأس العصفورة: بين الغوص في الواقعية و مسحة الخيال العلمي، هل يكون من السهل التخلص من أفكار و طروحات للانغماس في شخصية أخرى غير تلك العنيدة في مواقفها المنتصرة لفكرتها، لا لسبب إلا لكون الثانية ما يريده الناس و ما تمليه الأنا الجماعية.
الفصل الأخير من رواية لن تكتب/ الرقم المطلوب: نجاح في تتبع عاطفة الأنثى و إسالتها على الورق تعابير وافية و النجاح في التهرب من المجتمع المحافظ.
على حافة الحب.. في قلب الرواية: محاولة تبرم البطلة على دورها في رواية لرجل شرقي.
تكسر أنثى: تحطم انتظار امرأة لروائي و أديب.
ذوبان عاشق متحضر: حاجة الرجل لامرأة تحت الطلب و حاجة المرأة ككينونة مستقلة بذاتها.
فورمات: يقارب أدب الخيال العلمي بلغة سردية توحي بالواقعية في محاولة العودة إلى حالة الصنع.
ومن الحب ما قتل: كيف تريد المرأة الرجل، حين عناد الرجل، هل تستطيع المرأة التنازل عن بعض كبريائها، و يكون الرجل الخائن في الأخير.
براءة: كما إعادة "الفرمتة" بين أدب الخيال و الواقعية.
نعي: ميت يرزق و هي تقارب الخيال العلمي مرة أخرى.
اكتمال موتي: تأتي على الراهن لأمة تتوزع جسدها الآلام و تقطيع الأعداء لأوصالها.
أزيز الرعب: سرد كلاسيكي أفلح في معالجة ظاهرة اجتماعية بغوص عميق أعطى القصة رونقا خاصا و أتى على سلوكات شخوص القصة بروية و حبك جيد و بنفس يليق بالرواية.
الباحثات عن: طقوس زيارة الأضرحة للتبرك و الدعاء و كشف الأمور المستعصية.
اللفافة السوداء: تفرغ الكاتبة قدرة جميلة على السرد و الوصف لحالة انتحار لم تتم لتدخل في تفاصيل غيبوبة البطل بروية و تمكن.
انتصار: حين تتجاوز الأمور نصابها تنقلب إلى الضد تماما فالخوف المبالغ فيه قد يحيل صاحبه إلى التطرف.
زائر منتصف الليل: التهلكة اليومية لإذهاب العقل تكون نهايتها مأساوية.
عاشق في زمن العم قوقل: حالة عشق افتراضي.
أعزب دهر و لا أرمل شهر: حين يحرم الانسان من حقه الطبيعي ظلما من المجتمع / ينتقل حال البطلة إلى اشباع الغريزة خفية بين دافع الرغبة و حاجز الممنوع / حالة اجتماعية تحدث سراً و جهاراً.
شمس باردة: السقوط في الرذيلة بفعل الاستغباء، و التعاطف مع البطلة داخل اندفاع منظمة العهر التي ولجتها لتأتي على وصف مطول لحياة الماخور أو تلك البيوت السرية.
ما يأخذه البحر: التخلص من أتعاب الحياة بإبطال عمل العقل / محاولة أخرى للانتحار.
معقد: الذين يقتاتون من تعب الاخرين.
يحكى أن: لماذا يفرض على المرأة التضحية دوما؟
نقوش بتاريخ اللعنة: الشرف سكين جاهزة في يد المنتقم يحز بها من يشاء و قتما يريد / الظلم الذي يقع على المرأة بزعم الشرف.
لا تسافر قبل ما أشوفك: حين يفقد الانسان عزيزاً يسترق لحظات للتزود منها لكنها لا تساعده على البرء مطلقا.
ليلة توغل الياسمين: المرأة ضحية المجتمع الشرقي المنهك بالتأثير الأسري في غيرما داع.
****
أما امرأة النرجس لمنى بسباس السلامي فقد حوى 12 قصيدة بنصها الأصلي الفرنسي و ترجمة الشاعرة نفسها إلى النص العربي:
ذاكرتي و سجادتي الفارسية - Ma mémoire et mon tapis perse.
الاتكاء على الخلفية التاريخية و العودة للماضي: نفضت ذاكرتي بلطف كما اعتدت أن أفعل مع سجادتي الفارسية العتيقة هذا الاستحضار الذي يطوي الزمن عن قصد، هذا الزمن الذي تنكره و تحاول التحرر منه سيما و أن أقرب تجلياته الذبول بعد بريق / الغبار/ الفجوات / الرفوف. فهل التخلص من تبعات الماضي و أتعابه يتيح للأنامل أن ترسم غدها؟ ذالك هو الامتحان الذي تعانيه الأنا في القصيدة.
مطر غير مألوف
إن الهاجس الذي يثقل الأنا الفردية و /الأنا/ الجماعية ينتظر مفاجأة قد تأتي، قد تلبس وقع المطر، قد تأتي بالجديد، و هو فجر في كل الحالات، فهذا المطر: ينقي الأجساد و الأرواح المضطهدة يمحي داخلها المخاوف و الأحزان فالأرض عطشى و كل أشيائها في جوع لجديد بهي، لانتفاضة ترسم ملامحها الأشياء و الكائنات و أنا الإنسان: ينسكب من سماء غضب نحو أرض جشعة لا تقنع أبداً، أرض تمد يديها في دعاء صامت يائس..حيث يسيل ماء مجنون أهوج في ثنايا حديقتي العطشى. مع أننا نجد في النص الفرنسي: نحو أرض جشعة عطشى التي تمد يديها في دعاء و لكون الشاعرة نفسها من أنتج النص و النص المعرب فقد جاء إنشاء آخر يتجاوز الترجمة الحرفية إلى بناء المعنى وفق اللغة المنقول اليها.
يحرقك خوفكTa peur te consume
فيها تراكم الخيبات و تعدد أوجهها بتضاد نأتي عليه لاحقاً و هو نفس التضاد في: ميلاد للأماني تولد ميتة قرطاجتيMa Tunisie هنا نذكر أيضا أن النص الفرنسي لا يتماشى لفظيا مع النص المعرب اذ يأتي مثلا:Ma Tunisie de toujours Etoile du grand nord-africain Petite perle d’amour..Croyants et incroyants تونسي /أو قرطاجتي كما ارتأت الشاعرة / دائماً نجمة الشمال الكبير الإفريقي جوهرة صغيرة للحب مؤمنون و غير مؤمنين بينما النص العربي يأتي: يا نجمة الشمال يا افريقية الصغيرة أنت يا لؤلؤة المتوسط المنيرة مؤمنون و ملحدون و هي القصيدة التي أفردتها الشاعرة للتغني بالبلد الجميل إيغالا في التاريخ إلى الكاهنة و حنبعل و سيبسيون لتخلص في ختامها إلى تعزيز رابط الحب بالجزم بعدم مغادرتها أبدا.
وحيدة
في مخاطبة لهذا المقرب المبتعد الذي أضحى الآخر تاركا إياها لهواجسها و مخاوفها و أخطائها فمع من كانت وحيدة، هل الوطن ؟ هل الآخر ؟ أم أن هذا المخاطب هو الوطن و هو الآخر في آن؟
ثورتي
ثورة الشاعرة تأتي من غضب و كره و تعلق و حب، تأتي ضد القيود، ضد الأشياء، ضد التسلط، ضد الظلم، ضد اللامبالاة، حبا في الحرية في الوضوح، بل إن ثورة الشاعرة هي مبرر وجودها كإنسان.
موسيقى حلم
هنا يأتي الانزياح تاركا للسريالية أن تصنع المشهد من التأثيث اليومي كما لوحة سلفادور دالي: ساعة حائطية متدلية من ركن كئيب تعكس في مكر زمننا خارج الزمن منسي مبهم، ساعة حائطية ميتة أو حية ترزق هي منذ أمد ترقب في خيفة الكائنات و الأشياء، تأتي الدلالات أبعد مما توحي به الأشياء التي تميهت و راحت تبحث لها عن تشكلات أخرى أكثر هلامية و انسيابية.
العائدون
هي لوحة اليومية بطقوسها التي تنتشلك و تعيدك فأنت: لملمس دفترك و طاولتك ترتعش تنتقض تبحث ثم تبحث مجدداً في أعماقك تقطف بعضها ثم تصلي لكي تجد بضعة كلمات لتلدها من جديد. لكن تخلص في الأخير لديمومة المتاهة: حروف تنسج في الظل مخطوط العشق و الحقد الدفين بين كلمات و أفكار تعود.
التنبؤ
هاجس كينونة الإنسان إذ:/خضوع و خوف من آلهة /ملأت مقلتاي غموض/ فالغموض في حقيقته غموض الآلهة بينما تواصل النظرة بحثها عن الحقيقة التي أتلفها الضياع، لكنما النبؤة هي نبؤة الشاعر، فهو وحده من يقلب السماء و الأرض دون خجل أو وجل.
امرأة النرجس
تأتي الشاعرة لتتشظى هذه الكينونة المرأة، هذه الكينونة الوطن و السلطة أيضا، فامرأة النرجس التي تخاطبها بـ/أنت/ ليست حتما رمزاً للنقاء، لكنما تحمل التسلط و الوهن و الادعاء و كبرياء زائفة: أنت العاشقة لوجهك المغمورتحت أوجاع مخبئة في حذق تحت ماء كدر لدموع مشوبة تحت انتفاضة شبه احتضار فيأتي خطاب الشاعرة للتنبيه و اليقظة: يا امرأة النرجس كفي عن تصديق ظلال مرآتك الكاذبة لكنها تخلص في الأخير أن نداءها قد يذهب سدى: قلبك..ربما قدمته قرباناً تحت قدمي عشقك البائد ربما جعلته رهنا لحظوة أو لحظة تملق أخرى.
المنفي
تفردها للاغتراب الذي قد يكون المنفى من الوطن مثلما يكون المنفى داخل الوطن، كما الاغتراب داخل الذات البشرية المتهالكة بأتعاب البحث عن الصفاء عن الأمل عن العشق لابتسامة صادقة: وجه فريد في غربته أو مغترب في تفرده قد أذهب الغياب و الألم معالمه، ألم المهمل المتسلط في منفاه حيث لم يعد يجد من يكلمه إلا قمصانه السوداء الدائمة الحداد. لكنما في هذه القصيدة تكون النهاية سعيدة بروية و تمهل كأني بها تقصد منفيا بعينه قد عاد إلى مرتع تعبه الأول: ها هو ذا يعود و للمرة الأخيرة إلى مثوى أيامه السعيدة مصمما على استرجاع دور البطولة في مسرح الحياة الضاحك.
****
و كمسح سريع لزحف الهاوية سيرة الألم لعز الدين جوهري فإن الكاتب يأخذنا في سرد جميل، بلغة راقية لسيرة ذاتية يكون قد صرح بها في قوله: نص مفتوح على كثير من الخراب، و هو الذي خبر الشرق خلال تواجده بسوريا و لبنان و عايش الأحداث مثلما رضع الكرامة حليبا بجلال مولدا و إيابا إليها، فيشبعنا يأسا و حنقا من الواقع منذ الصفحة الثانية: تعال أبيعك بن باديس، الطيب العقبي، امبارك الميلي، محمد الأمين فاضلي، و الشيخ الزروق، و المفكر محمد بن ثابت طايبي، العربي بن مهيدي، محمد بوضياف، رابعة العدوية، محمد الماغوط، و محمود درويش الذي لا زلت أقبض على صوته متلبسا في بيروت. فنحن أمة تغتال مفكريها و شعرائها و أساطينها و أعلامها، بل و توغل في التأكد من موتهم، و يفرد لذكرى محمود درويش نشيد الروح: وحدي أراكم الدمع الثخين لفقدك و وحدي إلا من الحروف النضرة أنتظم و ربك في ساحة النداء الأخير، و النشيد الأخير، لأتخير اللغة التي تقولك. ليعود من جديد صارخا على الحال: كلوا محمود درويش أيها الرعاع كما أكلنا قبله محي الدين بن عربي... مرة رأيت المتنبي يؤكل من طرف حقير و هو خارج من مخمرة – جدل بيزنطي - ببيروت.
و يصعب تتبع عز الدين جوهري فيما يكيله من نقد للواقع نتفة هنا و أخرى هنالك ليعود للأولى مرة أخرى مستدركا و هو يحس أنه لم يعطها حقها من تباريح. فتراه يأتي على ما يشاع من أغاني بالنقد اللاذع و إن خاله القارئ توصيف حال: ألم يقولوا قديما: كي تشبع الكرش الراس يغني أنا أغني: نحط راسي في الراي او هي موجة أغاني الراي التي عرفت انتشارا سريعا و لاقت رواجا رغم خوائها من المعنى، بل التطرف أحيانا فيأتي بهذا المقطع الذي يقول صاحبه انه سيضع رأسه على خط السكة الحديدية، أي دعوة للانتحار هذه؟
عز الدين يرى الناس: يفاقمون الكره إلى درجات عالية جدا تماما كاليورانيوم المخصب، لأجل النيل من أحدهم أو تمزيق شمل ما، أو تحطيم علاقة إنسانية نبيلة و صادقة، و فصول سرده إن جاز لنا تفصيلها بأسماء لأناس شاركهم الحلم و العيش أو الهم فيأتي على: شرف الدين شكري و يشكو إليه الحال، و نوارة لحرش معرجا على عبد الرحمان مزيان الذي كان جاره اليهودي يأتيه بالعشاء كل يوم، بينما يوجه الكاتب الراوي في بلده و في شهر رمضان إلى مطعم الرحمة، ليعود إلى نوارة لحرش في حوار أحادي يصدر فيه أحكامه على الساحة الثقافية و يبوح بما يجب أن يكون عليه الحال.
و لا يسعنا الإتيان على باقي التفاصيل و التأثيث، فقراءة زحف الهاوية وحده الكفيل بإيفائها حقها من الإبحار بأعماقها، لكن المسح السريع يتطلب منا الإشارة إلى المزاوجة بين تتالي الخيبات و التوقف مع بعض الأسماء بين الفينة و الأخرى و العودة للماضي بتفاصيل رتيبة لم تفقدها المتعة و السلاسة و الإنسياب، ليورد عبد الرحمان العشماوي و هذه التي يسميها بتول و الربيع العربي و حرية المرأة في التقنين الجديد، و ياسين رفاعيه و علي صبح، و تطليقه الجريدة التي عمل بها و الطائفية و الحرب الأهلية اللبنانية و عمله مع الإذاعة الجزائرية خلال أحداث نهر البارد، ليخلص في الأخير في حديثه مع مراد بوكرزازة أنه سيصدر هذا العمل يؤرخ فيه للحقرة و الرخس و العذاب و القهر ،بيد أنه يشرع نافذة للأمل في ختام حواره مع عيسى بن محمود إذ يرى المرأة وطنا حين نفقد الوطن و جهة حين تنعدم في دواخلنا الجهات. و سنعود لاحقا إلى هذه النافذة في الأعمال الثلاثة تباعا.
و قد اشتركت الأعمال في التذمر الذي يعد دافعا بدوره للكتابة كما قال احمد مطر: أريد الصمت كي أحيا و لكن الذي ألقاه ينطقني. ففي قصيد ذاكرتي و سجادتي الفارسية نجد الشاعرة تستخدم: نفضت ذاكرتي J’ai secoué و النفض للعتيق لما علق به من غبار، فالذاكرة متعبة من خيبات و إجهاضات الماضي ليس الفردي و لكن أنا الشاعر هي أنا الجماعة التي لا تقتصر على نفر من الناس في "زمكنة" محددة و لكنها امتداد غير متناهي. هذه الذاكرة التي تكابر للابتهاج بهزائمها Elle est provocatrice elle s’obstine ajublier sur sa propre défaiteو نجد عند رائدة زقوت في براءة أن هذه الذاكرة في حاجة إلى إعادة الفرمتة، و لما استعصى على البطلة النجاح في ذلك عمدت: و أغمضت مطلقة رصاصة الرحمة على ذلك المتعَب/بنصب العين/المتعِب/بكسر العين/و تلك الذاكرة القطعة العصية على العودة لحالة المصنع. و كأني بمنى بسباس في نفس الحال لما تقول في قصيد مطر غير مألوف: ينقي الأجساد و الأرواح المضطهدة يمحي داخلها المخاوف و الأحزان شأن التعري للبحر عند عز الدين جوهري، فهي آلام دفينة استطالت في ديمومتها فلم يعد التذمر وحده يكفي لكن في انتظار مطر مفاجئ قد يأتي ليغسل أردان البشر. و الشعور بالخوف سرمدي: تموت بنار الخوف ثم تبعث من رماده/ضياع سوداوي ميت لزمننا. و حتى الاتكاء على التاريخ للاستراحة و التزود للوقوف من جديد في قرطاجتي مثلا يأتي مثقلا بأتعاب الماضي و انكساراته: أرض أجدادي المبعدين من فردوسهم المفقود من أندلسنا فالجراح القديمة لم تندمل، ترى لما العودة للأندلس تحديدا؟ أتكون نقطة التحول إلى السقوط الذي لا صعود بعده؟ عز الدين جوهري يؤرخ بها لفقد الأمل: أنا فقدت الأمل منذ سقوط أندلسنا الشريدة و فلسطيننا السليبة، و منذ تكور الدمع في مآقي جداتنا في الصومال الحبيب. هل هذا السقوط الذي يبدأ به النهوض كما يرى عز الدين أم السقوط الذي يتطلب ثورة ؟ تقول منى بسباس السلامي: ثورتي هي ضد كل المتسلطين الأغبياء المغتصبين لخصوصيات الأبرياء هذا التسلط ينزع عن الإنسان كينونته، يحيله إلى مجرد معتاش يجاهد ليقتات، هو الجرح الذي يؤلم عز الدين و هو الذي يؤمن بأن الإنسان رسالي: كم هو مؤلم، و جارح أن يعيش الإنسان ـ لأجل قطعة نقد، و هو أكبر من ذلك، كم هو موجع حد العظم، أن نعمل ليلا نهارا، لأجل الشوا في اليشير، لأجل فروج في اليمن السعيد التعيس، لأجل الملوخية التي أستطيع أن أسقط لأجلها حصونا و قلاعا، و أخوض بسببها حروب الأنفاس الأخيرة و الرمق الأخير. هي هواجس التذمر و التعب الذي أثقل كاهل الإنسان، تقولها منى بسباس السلامي: كلمات تتزاحم على حافة شفاه متعبة خاضعة لتلتقي في عناق عابث بالهمسات وقحة مبحوحة تطلق العنان لولع جامح تعب الإنسان و تعب الروح لكثرة كالغثاء و زبد يحسبه الظمآن ماء، و ما هو بماء و لكنه يوصل إلى قمة التذمر و التبرم، يقولها جوهري: أتلو أطنانا من الهراء، و قوافل من الضحك حد القرف، متبلا بوجوم الرعد و البرق، و الأرصفة، و التوابع و الزوابع، و البنايات الشاهقة التي خانت الأرض، ثم أقف عاريا كعادتي، و أبصق على شكلي في الظل. فحتى التضاد هنا جاء مرافقا لحال السأم و المقت الشديد للسائد: أتلو الهراء/ ضحك حد القرف. و هو ليس التضاد الذي يعني الطباق إنما توليد المعاني من ألفاظ تبدو نافرة من بعضها كما هو الحال في امرأة النرجس: نشق غبار اللحظات الميتة/ تكابر للابتهاج/ المتباعدة المتقاربة / تخوم سماء واهنة/ابتسامة متعبة. و لأمر ما يجتمع هاجس الجوع البشري إلى العدالة مع الخوف، و اجتماع الأمرين شديد، و قد امتن الله سبحانه و تعإلى على قريش بأن أوجد لهم هذه النعمة: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف فهاجس الخوف مما يرى و ما خفي يسبل الضبابية على المستقبل، تقول منى بسباس: خضوع و خوف من آلهة ملأت مقلتيّ غموض تراها الآلهة نفسها التي ذكرها أحمد مطر في قوله: آلهة تأتينا من الغرب، لكن بثياب عربية هل تراه نفس الهاجس أيضا لدى رائدة زقوت:...في محاولة للتغلب على هواجس الليل، تلك الهواجس التي تولد مع غروب الشمس و تحول ظل الطفل لوحش كاسر، سيقوم بقتله لا محالة إن لم يهرب صوب النوم. هل يكون الإله عندها هذا الـ: كبيرهم الذي يفقأ عين الحقيقة بطلاسم تزيل وجع الجرح في حينه و تورث البدن موته الأزلي. إن الهاجس مشترك و إن تعددت التسميات و التفاصيل فحتى الأنا الهوية الأنا الإنسان تعود إلينا متعبة مهما حاولنا أن نميط عنها من غبار و نهيل عليها من هيل، أناتي تعود لي، أستردها، قلبي يتنكر لي و لها /من امرأة النرجس/هي نفس الأنا في براءة بمجموعة وشوشات قلم أحمر: و ينتشر على تلك المساحات البيضاء و يحولها للون الرمادي المنقط بالسواد، عندها أيقنت بأني فشلت في البراءة مني.
و بالعودة إلى نافذة الأمل فإننا نخلص في المجموعة القصصية لدى رائدة زقوت إلى وجوب التحرر لدى الرجل الشرقي من ممارسات تتعارض و متطلبات العصر و حقوق المرأة و الإنسان، و إحقاق الحق في المجتمع دون غلو و لا تطرف، و إعادة بناء الإنسان العربي بناء سويا من داخل خلفيته لا مما يملى عليه: لا أظن أن أي قوة في العالم تدفع أحدا للبراءة من نفسه غير نفسه. بينما نجد الحل ثوريا لدى منى بسباس السلامي في امرأة النرجس لحاجة الإنسان إلى السلام و الحب، و هو الحل الذي لا يستثني أحدا، فهذا المنفي: مصمما على استرجاع دور البطولة في مسرح الحياة الضاحك الباكي حيث تتدفق من قلبه و جسده الضئيل كوكبة من نجوم عاشقة للكلمات نفس الكلمات التي جعلت منه مغتربا ثم مستنقذا من الوهم من المنفى. و عند عز الدين جوهري بالاشتغال في مجال الفكر و الثقافة، فالسقوط عنده مقدمة للنهوض، و لا سقطة إلا و سبقتها هزيمة في اللغة و الفكر و الدين، بل و يعيد تشكيل جغرافيا الكون للجميع: و من فرح المحبة بدين الحب الإلهي، ينتفي إشكال القطيعة من كوكبنا، و حيث تمشي المحبة، تنبلج قناديل الوحدة الإنسانية الكبرى.
ختاما و قد كنت أتجنب القول: أحسن في كذا، و فاته الأمر في كذا، أجدني أقر بأن: عز الدين جوهري قد حلب اللغة من ضرع لم ينتبه إليه غيره في عديد نتفه كما يحلو له تسميتها حين التجزئة. و قد ولجت رائدة زقوت دواخل المرأة و معاناتها بكفاءة و جدية و تمكن. و ألبست منى بسباس السلامي الشعر الفكر، و عهدنا به إلى العاطفة أقرب، لكنها أفلحت في إتخامه بمعاناة الإنسان.
عويل الريح
صوت الريح المتسلل من الخارج، يستبيح حرمة الهدوء بتحريك كل ما من شأنه أن يثير مشاعر شتى، ويتسلل بكل قوته إلى أقبية الذكريات فينفض عنها غبار النسيان، ويمدها بنور كافٍ لتحيل حياتها إلى لحظات عسيرة.
صوت أمها يتسلل خافتاً من خلال أزيز بابٍ حركته الريح كأنه يفتح على مصراعيه
- ” الله يرضى عليكِ يا ابنتي”
- “آمين يا أمي كم أحتاج لرضا رب العالمين”.
تجيب الريح التي ما فتأت تتلاعب في حركة الأبواب والنوافذ، لتحيل الصمت الرهيب لحركة رعبٍ موحية بأن لصوص العالم تقتحم تلك المساحة المستباحة من الرياح المقفلة بأقفال بعضها تساقط قدماً، وبعضها تساقط سهواً في حالة عارضة، وبعضها ما زال يحكم قبضته على الباب ولا يمرر أحداً إلا بإذن مسبق .
تشرع الريح في نبش ما استباحت من أقبية الذكرى محدثة جلبة وضوضاء، تفوق صوت حركة الأبواب والنوافذ التي تصفر وتصفق وتتحرك كما لو كانت عبداً مأموراً لتلك الرياح القادمة عنوة بلا تصريح ، تكدست الذكريات بعضها نبشت عنه الريح من أدراج النسيان القصية، وبعضها كانت تحاول هي طمره في محراب النسيان، والبعض كان مقيماً أزلياً، عصياً على الدخول للقبو خوفاً من تركها تعاشر حياة لا ذكريات قاتلة فيها، ولا ضجيج يثيرغثيانها باستمرار! موحياً لها بأن لا مفر سقطتِ في براثن ذكرى لا ترحم ولا تُمحى.
يال لعويل الريح! كم يوحي لها بأن النهاية باتت على مسافة صمت قصيرة ، وأن الهدوء المنشود قد اعتلى صهوة جواد جامح فر في معركة غير متكافئة، وتركها تلعق جراح الذكرى بلسان تشظى من هول خشونة تلك الذكريات.
- ” سأعود قريباً، لأوفي بعهدي لك يا حبيبة “
تسلل صوت والدها الجهوري متحدياً أزيز الباب.
- لن تعود يا أبي، أعلم بأنك لن تعود فما غادر أحدٌ صوب جهتك التي غادرت لها وعاد، قالت تجيب صوته المرسوم في نبض الذاكرة كصوتٍ لا يدانيه صوت في الجمال والعذوبة .
ما زال صوت الريح يعلو ويعلو، وكأنه عواء ذئابٍ جائعة، جاءت خصيصاً لتلتهمها كوليمة يتيمة بعد جوعٍ مزمن نخر أمعدتها، وتركها تبحث عن أي لقيمة تستر بها تلك النخور.
- أعطني يدك يا أبي، انتشلني من هذه النهاية المؤلمة، خذني إليك بيضاء نقية، دعني أغتسل بماءٍ صب من طهارة السماء، لم تلمسه يد ولا حط على رأسٍ عاصٍ.
ما عاد صوت الوالد يتسلل مع الريح، وصوت الأم ذهب باتجاه آخر ربما يستحق الدعاء أكثر، والذكريات تراكمت أمامها كأسراب الجراد يغزو حقلاً ويحوله ليباس بعد خضرة كانت تسر عين الناظر وتبشر بمواسم خصب.
يتسرب لأذنها في تلك اللحظة صوت قريبة كانت تقول لها دوماً : إن لم تستطيعي مقاومة الجراد ما عليك غير أن تشعلي النار وتقومي بشيّه وهو حي.
- ولمَ لا، قالت وهي تقاوم أسراب الجراد؟!
نهضت مسرعة لتغافل أسراب الجراد قبل أن تنقض على ما تبقى في حقلها من خضرة، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق، والصحف القديمة وأشعلتها في سربٍ من الجراد لا يراه غيرها، ارتفعت ألسنة النار، وامتد الدخان لخارج الغرفة متجاوزاً ذلك القبو المتأرجح في علية عقلها، أحست بالخطر الشديد، حاولت الهرب، أطبق عليها سرب جراد من جهة الشمال وقبسٍ من نار من صوب الجنوب، فسقطت تنتظر المصير المحتوم .
- مهلاً سيدتي، من قال لك بأني أرغب في الموت؟ وبالذّات وحرقاً؟!!
- لا يفترض بك أن تحدثني بعد أن انتهيت من السرد ووضعت النهاية التي وجدت أنها تليق بالأحداث وتسلسلها
- نهاية ؟؟ ألا تلاحظي سيدتي بأن الموت أصبح النهاية الحتمية لقصصك؟ وأنك تقصدين موت البطلة الأنثى في نهاية المطاف ؟ أهي حقاً متطلبات القصة أو أنك صاحبة القرار، وتتلاعبين في النهاية حتى تتوافق مع مزاجك الشخصي ؟؟
- لا مزاج شخصي في مجريات الأحداث والنهاية غالباً تأتي من سياق السرد
- حسناً ….اسمحي لي هنا أن أغير النهاية وأضعها أنا كما اشتهي أن تكون لا كما تريدين أنت.
- حســـــنا لــــــك ذلــــك.
نهضت مسرعة تغافل أسراب الجراد؛ كيما تغافل ما تحفل به ذاكرتها من ذكريات جميلة، وتعمل على إحالتها ليباس، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق والصحف القديمة، وفي زاوية بعيدة عنها أشعلت النار، التهمت النار أسراب الجراد وهي تراقبها بحذر، بفرحة منتصر بفوزٍ عظيم عادت لمكانها الأول، لملمت ما تبقى من شتات القبو وأعادتها للقبو وأغلقت عليها، عمدت إلى جهاز التلفاز ووضعت المؤشر على محطة تلفزيونية تتابع برامجها، رفعت مؤشر الصوت لدرجة عالية تحجب عنها عويل الرياح، وما تثيره من أصوات تفزعها، تناولت رواية كانت بصدد قراءتها سابقا، جلست باسترخاء وهدوء، استعادت سكينتها، شعرت بأنها تولد من جديد.
صوت أمها يتسلل خافتاً من خلال أزيز بابٍ حركته الريح كأنه يفتح على مصراعيه
- ” الله يرضى عليكِ يا ابنتي”
- “آمين يا أمي كم أحتاج لرضا رب العالمين”.
تجيب الريح التي ما فتأت تتلاعب في حركة الأبواب والنوافذ، لتحيل الصمت الرهيب لحركة رعبٍ موحية بأن لصوص العالم تقتحم تلك المساحة المستباحة من الرياح المقفلة بأقفال بعضها تساقط قدماً، وبعضها تساقط سهواً في حالة عارضة، وبعضها ما زال يحكم قبضته على الباب ولا يمرر أحداً إلا بإذن مسبق .
تشرع الريح في نبش ما استباحت من أقبية الذكرى محدثة جلبة وضوضاء، تفوق صوت حركة الأبواب والنوافذ التي تصفر وتصفق وتتحرك كما لو كانت عبداً مأموراً لتلك الرياح القادمة عنوة بلا تصريح ، تكدست الذكريات بعضها نبشت عنه الريح من أدراج النسيان القصية، وبعضها كانت تحاول هي طمره في محراب النسيان، والبعض كان مقيماً أزلياً، عصياً على الدخول للقبو خوفاً من تركها تعاشر حياة لا ذكريات قاتلة فيها، ولا ضجيج يثيرغثيانها باستمرار! موحياً لها بأن لا مفر سقطتِ في براثن ذكرى لا ترحم ولا تُمحى.
يال لعويل الريح! كم يوحي لها بأن النهاية باتت على مسافة صمت قصيرة ، وأن الهدوء المنشود قد اعتلى صهوة جواد جامح فر في معركة غير متكافئة، وتركها تلعق جراح الذكرى بلسان تشظى من هول خشونة تلك الذكريات.
- ” سأعود قريباً، لأوفي بعهدي لك يا حبيبة “
تسلل صوت والدها الجهوري متحدياً أزيز الباب.
- لن تعود يا أبي، أعلم بأنك لن تعود فما غادر أحدٌ صوب جهتك التي غادرت لها وعاد، قالت تجيب صوته المرسوم في نبض الذاكرة كصوتٍ لا يدانيه صوت في الجمال والعذوبة .
ما زال صوت الريح يعلو ويعلو، وكأنه عواء ذئابٍ جائعة، جاءت خصيصاً لتلتهمها كوليمة يتيمة بعد جوعٍ مزمن نخر أمعدتها، وتركها تبحث عن أي لقيمة تستر بها تلك النخور.
- أعطني يدك يا أبي، انتشلني من هذه النهاية المؤلمة، خذني إليك بيضاء نقية، دعني أغتسل بماءٍ صب من طهارة السماء، لم تلمسه يد ولا حط على رأسٍ عاصٍ.
ما عاد صوت الوالد يتسلل مع الريح، وصوت الأم ذهب باتجاه آخر ربما يستحق الدعاء أكثر، والذكريات تراكمت أمامها كأسراب الجراد يغزو حقلاً ويحوله ليباس بعد خضرة كانت تسر عين الناظر وتبشر بمواسم خصب.
يتسرب لأذنها في تلك اللحظة صوت قريبة كانت تقول لها دوماً : إن لم تستطيعي مقاومة الجراد ما عليك غير أن تشعلي النار وتقومي بشيّه وهو حي.
- ولمَ لا، قالت وهي تقاوم أسراب الجراد؟!
نهضت مسرعة لتغافل أسراب الجراد قبل أن تنقض على ما تبقى في حقلها من خضرة، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق، والصحف القديمة وأشعلتها في سربٍ من الجراد لا يراه غيرها، ارتفعت ألسنة النار، وامتد الدخان لخارج الغرفة متجاوزاً ذلك القبو المتأرجح في علية عقلها، أحست بالخطر الشديد، حاولت الهرب، أطبق عليها سرب جراد من جهة الشمال وقبسٍ من نار من صوب الجنوب، فسقطت تنتظر المصير المحتوم .
- مهلاً سيدتي، من قال لك بأني أرغب في الموت؟ وبالذّات وحرقاً؟!!
- لا يفترض بك أن تحدثني بعد أن انتهيت من السرد ووضعت النهاية التي وجدت أنها تليق بالأحداث وتسلسلها
- نهاية ؟؟ ألا تلاحظي سيدتي بأن الموت أصبح النهاية الحتمية لقصصك؟ وأنك تقصدين موت البطلة الأنثى في نهاية المطاف ؟ أهي حقاً متطلبات القصة أو أنك صاحبة القرار، وتتلاعبين في النهاية حتى تتوافق مع مزاجك الشخصي ؟؟
- لا مزاج شخصي في مجريات الأحداث والنهاية غالباً تأتي من سياق السرد
- حسناً ….اسمحي لي هنا أن أغير النهاية وأضعها أنا كما اشتهي أن تكون لا كما تريدين أنت.
- حســـــنا لــــــك ذلــــك.
نهضت مسرعة تغافل أسراب الجراد؛ كيما تغافل ما تحفل به ذاكرتها من ذكريات جميلة، وتعمل على إحالتها ليباس، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق والصحف القديمة، وفي زاوية بعيدة عنها أشعلت النار، التهمت النار أسراب الجراد وهي تراقبها بحذر، بفرحة منتصر بفوزٍ عظيم عادت لمكانها الأول، لملمت ما تبقى من شتات القبو وأعادتها للقبو وأغلقت عليها، عمدت إلى جهاز التلفاز ووضعت المؤشر على محطة تلفزيونية تتابع برامجها، رفعت مؤشر الصوت لدرجة عالية تحجب عنها عويل الرياح، وما تثيره من أصوات تفزعها، تناولت رواية كانت بصدد قراءتها سابقا، جلست باسترخاء وهدوء، استعادت سكينتها، شعرت بأنها تولد من جديد.
لقاء مع جريدة السياسة الكويتية
القاهرة - السيد حسين :
ترى القاصة والأديبة الأردنية رائدة زقوت أن الوضع الثقافي في الأردن وفي مجمل الوطن العربي تقريباً غائم ومعالمه غير واضحة. وأن المجاملات النقدية للأسف موجودة وبكثرة ما يفقد النقد مصداقيته ولا يعتد به كمؤشر لنجاح العمل الإبداعي وأن بعض النقاد يبالغ في تمجيد أعمال لا تمتلك الحد الأدنى من الإبداع, التفاصيل في الحوار التالي:
كيف ترين الحالة الأدبية والوضع الثقافي الأردني حاليا؟
الوضع الثقافي في الأردن وفي الوطن العربي غائم ومعالمه غير واضحة تماماً في الوقت الراهن, بين ما حصل ويحصل في الدول العربية وبين الوجود الكبير في العالم الافتراضي وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح الوضع ضبابيا, وربما نحتاج وقتا غير قصير لنتبين على ماذا سيستقر, وماذا أفرز.
البعض يرى أن المشهد القصصي والروائي في الأردن يتفوق على الإبداع الشعري, كيف ترين ذلك؟
لكل نوع أدبي مريدوه وعشاقه, ويبقى للسرد بالمجمل الغلبة من حيث عدد القراء والمتابعين. في الأردن شعراء على مستوى عالمي ولكن الاهتمام المحلي الضعيف أضاع فرص الكثير من المبدعين والشعراء وبالتالي دفعهم للكتابة الإبداعية البعيدة عن الشعر خصوصاً الرواية, وهذا يدفع باتجاه تصدر السرد والرواية والقصص المشهد الإبداعي.
المرأة الصامتة
صدر لك مجموعة قصصية "وشوشات قلم أحمر" و"قهقهة واحدة تكفي", كيف تقيمين هذه الأعمال وأيها الأقرب إليك؟
وشوشات كانت حصاد فترة طويلة من الكتابة, فيها التركيز على المرأة ومعاناتها بشكل قوي, إذ تشغلني المرأة البعيدة عن بؤرة الاهتمام, المرأة الصامتة, المرأة التي تمارس على نفسها ويمارس عليها كل أنواع القهر الفكري, وهي جواز سفري لقلوب القراء, ودائما للعمل الأول متعة مختلفة رغم أننا قد لا نكون راضين عنه بشكل كامل, (قهقهة) أقرب إلى قلبي من (الوشوشات) فيها ركزت على الوضع الإنساني العام بعيداً عن التجنيس "والجندر", بأسلوب رمزي اعتاده القراء مني حاولت أن ألخص واقعنا العربي وأوجاعنا اليومية.
ما رأيك بالقصة القصيرة جدا التي بدأت تشهد رواجا عربيا؟
يحتاج هذا النوع من القصة للحنكة والدراية بما يجب أن يكون عليه, التكثيف في القصة القصيرة جداً أو القصة الومضة, كما أحب أن أطلق عليها يجب أن يكون قوياً ويدفعك للتفكير ملياً بما رمت له القصة وإلا لتحولت لجملة عادية لا تحمل مضمونا أو فكرا.
ألا تفكرين في الدخول لعالم الرواية؟ وهل هناك تعارض بين كتابة القصة والرواية؟
التكثيف في القصة القصيرة والسرد المختصر يعطي للفكرة زخما يغري الكاتب للقص بطريقة ممتعة, كتابة القصة تحتاج مهارة كبيرة وهي فن قائم على الالتقاطات السريعة واللغة الرشيقة البعيدة عن الإسهاب, لا يوجد تعارض بين القصة والرواية, فلكل منهما أدواتها التي تحتاجها, ولغتها, أعمل على مشروع رواية منذ مدة, قد أوفق فيها بطرح أفكار تحتاج لقالب أكبر من قالب القصة.
هل ترين أن التعبير عن الرأي في الشعر والكتابة حق مطلق أم هو مقيد وتتحكم به شروط؟
للجميع الحق في الكتابة والتعبير, ويبقى الحكم للقارئ الناقد الأول والجمهور الحقيقي للكاتب, رغم أن بعض الكتابات لا تعدو أن تكون بوحاً خاصاً أو مناجاة عشقية باتت تنتشر بسرعة لأسباب كثيرة منها توافر النشر الإلكتروني وكثرة دور النشر في العالم العربي, لذلك أأنس كثيراً للكتب التي تصدر بدعم من جهة معنية بالثقافة والأدب, على الأقل هناك تعرض على لجان وهي تختار من تجد عنده ما يستحق النشر.
مجاملات النقاد
البعض يرى أن النقاد يجاملون كتابات المرأة فقط لكونها امرأة, ولا يقيمون منجزها الأدبي بموضوعية؟
هذا للأسف موجود وبكثرة تفوق ما كنا نعرفه ما يفقد النقد مصداقيته ولا يعتد به كمؤشر لنجاح العمل الإبداعي, بعض النقاد يبالغ في تمجيد أعمال لا تمتلك الحد الأدنى من الإبداع, وربما أيضاً ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي وعبر التواصل المباشر بين الجنسين في تفشي هذه الظاهرة بطريقة لافتة, فبعضهم تكفيه صورة جريئة للكاتبة وكلمة ذات مغزى ليكتب معلقات مدحية.
النقد في الأردن هل يرسم للمبدع الوجهة الصحيحة أم يشتت العمل الإبداعي؟
لا أعول على رأي النقاد الذين يتبعون توجهاً بعينه أو شللية معينة أفقدتهم مصداقيتهم عند الكثير من الكتاب. مهما كان العمل الإبداعي متميزا لابد ألا يعجب ناقداً بعينه كونه جاء من طرف لا يستظرفه أو من كاتب لا يعرف خلفيته, فالنقد عند البعض ارتبط للأسف الشديد بأشخاص أكثر من ارتباطه بنصوص إبداعية إلا من رحم ربي طبعاً, على أن الساحة الأردنية النقدية تحمل أسماء لامعة مشهوداً لها بالنزاهة والإنصاف.
هل تتابعين ردود الفعل على كتاباتك من حفلات التوقيع ام من مواقع التواصل الاجتماعي؟
أنا مقلة في الوجود في الوسط الثقافي بشكل كبير, لذلك تصلني ردود الفعل من القراء مباشرة وهذا يشعرني بالسعادة, أنشر بعض النصوص في بعض المواقع الالكترونية وأعول كثيراً على النشر الألكتروني وفي دوره في التعريف بالنصوص والكاتب معاً, وتصلني ردود فعل طيبة جداً عليها.
البعض يقول إننا نعيش عصر الرواية لأنها طغت على الألوان الأدبية الأخرى, فما رأيك؟
الرواية بحد ذاتها حياة كاملة تعاين الحركة والإيماءة والنفس, لذلك لها رونقها الخاص الذي يغري القارئ خصوصاً إن كانت رواية ناضجة مكتملة الجوانب, ولكن هذا لا يلغي أن الأنواع الأخرى لها قراؤها أيضاً.
ماذا عن الروافد والتجارب التي شكلت وعيك الإبداعي وصقلت موهبتك الأدبية؟
عندما يغزو غسان كنفاني طفولتك ليوقظ فيك لهيب الشمس في خزان وقود سيتشكل وعيك بنضوج مبكر على الوجع, أو عندما تلملم أوراق والدك وقد تركك طفلاً مع مكتبة ضخمة وأوراق غير منجزة ستفكر كثيراً كيف ستنجز رسالتك وحدك, هذه كانت البدايات التي شكلت الرافد الرئيسي للوعي, ثم مرحلة الشباب المبكر في الثمانينات إذ كان كتاب المطالعة الذاتية يرقد بجانب الكتاب المدرسي, وكان الفن وسائر أنواع الأدب في الأردن في قمة مجدها.
هل حققت الكتابة كل ما تحلمين به؟
لم أكتب بعد ما أحلم به, ما زلت أطرق أبواب الكتابة بخفة وتدرج حتى لا أسقط في بئر التكرار أو في جدلية ما يريده الجمهور, أحلامي في الكتابة كبيرة والطريق طويل والتوفيق من الله سبحانه.
هل نجحت المرأة والفتاة الأردنية في طرق أبواب الأدب؟
نسبياً نعم نجحت المرأة الأردنية في طرق أبواب الأدب مع اختلاف الصعوبات بين منطقة وأخرى, بعضهن حققن وجودا يستحق الوقوف والدراسة, والبعض خصوصاً في المناطق الأكثر محافظة وبعداً عن مركز العاصمة ما زلن يحاولن إثبات الذات والنجاح, وأظن بأنها مسألة وقت فقط حتى نجد لهن تواجداً مميزاً لا يقل عن تواجد الأخريات.
ماذا عن سقف الحرية والكتابة في الأردن؟
لم أشعر يوماً بأن هناك رقابة على الكتابة من أي نوع, نمارسها بكل حرية ولا وجود لثالوث المنع الدارج في بعض الدول العربية, نكتب بحرية مطلقة ما نشاء, هذا من خلال تجربتي الشخصية, فمساحة الحرية في الأردن كبيرة مقارنة مع بعض الدول العربية.
ما أهم المشكلات التي تواجه الثقافة العربية والأديب العربي؟
مشكلة الثقافة العربية أنها غير مؤثرة في المجتمعات ولم تشكل وعياً جمعياً يؤشر لوجود فاعل لهذا العدد الكبير من الأدباء والكتاب. تقوقع الأديب العربي داخل تكرار نمط معين من الفكر أثر سلبياً على عالميته, إذا أردنا أن نغير واقعنا العربي وجب على مثقفيه أن يتغلغلوا بين الناس ليكونوا منهم وينقلوا لهم أفكاراً مجدية تكون البداية لتكوين مجتمعات عربية خلاقة لها قادة فكر يؤثرون على الناس ويتأثرون بهم.
إلى أي حد حقق الأدب العربي وجوده عالميا؟
باستثناء بعض الأسماء المحدودة للأسف لا وجود للأدب العربي خارج أسوار القطر الذي ينتمي له ولولا فسحة العالم الافتراضي لما عرف الأدباء العرب عربياً أيضاً, قد يكون التقصير بهذا الأمر من الحكومات وليس من الأفراد, فالدول التي تهتم بالأدب والثقافة ستسعى ليتعرف العالم على أدبائها.
ما جديدك؟
عندي الكثير من المخطوطات التي أجلت نشرها لأسباب خاصة, وعندي رواية أعمل على إنجازها, ولا أعرف أي المخطوطات سيسبق الآخر للخروج.
ترى القاصة والأديبة الأردنية رائدة زقوت أن الوضع الثقافي في الأردن وفي مجمل الوطن العربي تقريباً غائم ومعالمه غير واضحة. وأن المجاملات النقدية للأسف موجودة وبكثرة ما يفقد النقد مصداقيته ولا يعتد به كمؤشر لنجاح العمل الإبداعي وأن بعض النقاد يبالغ في تمجيد أعمال لا تمتلك الحد الأدنى من الإبداع, التفاصيل في الحوار التالي:
كيف ترين الحالة الأدبية والوضع الثقافي الأردني حاليا؟
الوضع الثقافي في الأردن وفي الوطن العربي غائم ومعالمه غير واضحة تماماً في الوقت الراهن, بين ما حصل ويحصل في الدول العربية وبين الوجود الكبير في العالم الافتراضي وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح الوضع ضبابيا, وربما نحتاج وقتا غير قصير لنتبين على ماذا سيستقر, وماذا أفرز.
البعض يرى أن المشهد القصصي والروائي في الأردن يتفوق على الإبداع الشعري, كيف ترين ذلك؟
لكل نوع أدبي مريدوه وعشاقه, ويبقى للسرد بالمجمل الغلبة من حيث عدد القراء والمتابعين. في الأردن شعراء على مستوى عالمي ولكن الاهتمام المحلي الضعيف أضاع فرص الكثير من المبدعين والشعراء وبالتالي دفعهم للكتابة الإبداعية البعيدة عن الشعر خصوصاً الرواية, وهذا يدفع باتجاه تصدر السرد والرواية والقصص المشهد الإبداعي.
المرأة الصامتة
صدر لك مجموعة قصصية "وشوشات قلم أحمر" و"قهقهة واحدة تكفي", كيف تقيمين هذه الأعمال وأيها الأقرب إليك؟
وشوشات كانت حصاد فترة طويلة من الكتابة, فيها التركيز على المرأة ومعاناتها بشكل قوي, إذ تشغلني المرأة البعيدة عن بؤرة الاهتمام, المرأة الصامتة, المرأة التي تمارس على نفسها ويمارس عليها كل أنواع القهر الفكري, وهي جواز سفري لقلوب القراء, ودائما للعمل الأول متعة مختلفة رغم أننا قد لا نكون راضين عنه بشكل كامل, (قهقهة) أقرب إلى قلبي من (الوشوشات) فيها ركزت على الوضع الإنساني العام بعيداً عن التجنيس "والجندر", بأسلوب رمزي اعتاده القراء مني حاولت أن ألخص واقعنا العربي وأوجاعنا اليومية.
ما رأيك بالقصة القصيرة جدا التي بدأت تشهد رواجا عربيا؟
يحتاج هذا النوع من القصة للحنكة والدراية بما يجب أن يكون عليه, التكثيف في القصة القصيرة جداً أو القصة الومضة, كما أحب أن أطلق عليها يجب أن يكون قوياً ويدفعك للتفكير ملياً بما رمت له القصة وإلا لتحولت لجملة عادية لا تحمل مضمونا أو فكرا.
ألا تفكرين في الدخول لعالم الرواية؟ وهل هناك تعارض بين كتابة القصة والرواية؟
التكثيف في القصة القصيرة والسرد المختصر يعطي للفكرة زخما يغري الكاتب للقص بطريقة ممتعة, كتابة القصة تحتاج مهارة كبيرة وهي فن قائم على الالتقاطات السريعة واللغة الرشيقة البعيدة عن الإسهاب, لا يوجد تعارض بين القصة والرواية, فلكل منهما أدواتها التي تحتاجها, ولغتها, أعمل على مشروع رواية منذ مدة, قد أوفق فيها بطرح أفكار تحتاج لقالب أكبر من قالب القصة.
هل ترين أن التعبير عن الرأي في الشعر والكتابة حق مطلق أم هو مقيد وتتحكم به شروط؟
للجميع الحق في الكتابة والتعبير, ويبقى الحكم للقارئ الناقد الأول والجمهور الحقيقي للكاتب, رغم أن بعض الكتابات لا تعدو أن تكون بوحاً خاصاً أو مناجاة عشقية باتت تنتشر بسرعة لأسباب كثيرة منها توافر النشر الإلكتروني وكثرة دور النشر في العالم العربي, لذلك أأنس كثيراً للكتب التي تصدر بدعم من جهة معنية بالثقافة والأدب, على الأقل هناك تعرض على لجان وهي تختار من تجد عنده ما يستحق النشر.
مجاملات النقاد
البعض يرى أن النقاد يجاملون كتابات المرأة فقط لكونها امرأة, ولا يقيمون منجزها الأدبي بموضوعية؟
هذا للأسف موجود وبكثرة تفوق ما كنا نعرفه ما يفقد النقد مصداقيته ولا يعتد به كمؤشر لنجاح العمل الإبداعي, بعض النقاد يبالغ في تمجيد أعمال لا تمتلك الحد الأدنى من الإبداع, وربما أيضاً ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي وعبر التواصل المباشر بين الجنسين في تفشي هذه الظاهرة بطريقة لافتة, فبعضهم تكفيه صورة جريئة للكاتبة وكلمة ذات مغزى ليكتب معلقات مدحية.
النقد في الأردن هل يرسم للمبدع الوجهة الصحيحة أم يشتت العمل الإبداعي؟
لا أعول على رأي النقاد الذين يتبعون توجهاً بعينه أو شللية معينة أفقدتهم مصداقيتهم عند الكثير من الكتاب. مهما كان العمل الإبداعي متميزا لابد ألا يعجب ناقداً بعينه كونه جاء من طرف لا يستظرفه أو من كاتب لا يعرف خلفيته, فالنقد عند البعض ارتبط للأسف الشديد بأشخاص أكثر من ارتباطه بنصوص إبداعية إلا من رحم ربي طبعاً, على أن الساحة الأردنية النقدية تحمل أسماء لامعة مشهوداً لها بالنزاهة والإنصاف.
هل تتابعين ردود الفعل على كتاباتك من حفلات التوقيع ام من مواقع التواصل الاجتماعي؟
أنا مقلة في الوجود في الوسط الثقافي بشكل كبير, لذلك تصلني ردود الفعل من القراء مباشرة وهذا يشعرني بالسعادة, أنشر بعض النصوص في بعض المواقع الالكترونية وأعول كثيراً على النشر الألكتروني وفي دوره في التعريف بالنصوص والكاتب معاً, وتصلني ردود فعل طيبة جداً عليها.
البعض يقول إننا نعيش عصر الرواية لأنها طغت على الألوان الأدبية الأخرى, فما رأيك؟
الرواية بحد ذاتها حياة كاملة تعاين الحركة والإيماءة والنفس, لذلك لها رونقها الخاص الذي يغري القارئ خصوصاً إن كانت رواية ناضجة مكتملة الجوانب, ولكن هذا لا يلغي أن الأنواع الأخرى لها قراؤها أيضاً.
ماذا عن الروافد والتجارب التي شكلت وعيك الإبداعي وصقلت موهبتك الأدبية؟
عندما يغزو غسان كنفاني طفولتك ليوقظ فيك لهيب الشمس في خزان وقود سيتشكل وعيك بنضوج مبكر على الوجع, أو عندما تلملم أوراق والدك وقد تركك طفلاً مع مكتبة ضخمة وأوراق غير منجزة ستفكر كثيراً كيف ستنجز رسالتك وحدك, هذه كانت البدايات التي شكلت الرافد الرئيسي للوعي, ثم مرحلة الشباب المبكر في الثمانينات إذ كان كتاب المطالعة الذاتية يرقد بجانب الكتاب المدرسي, وكان الفن وسائر أنواع الأدب في الأردن في قمة مجدها.
هل حققت الكتابة كل ما تحلمين به؟
لم أكتب بعد ما أحلم به, ما زلت أطرق أبواب الكتابة بخفة وتدرج حتى لا أسقط في بئر التكرار أو في جدلية ما يريده الجمهور, أحلامي في الكتابة كبيرة والطريق طويل والتوفيق من الله سبحانه.
هل نجحت المرأة والفتاة الأردنية في طرق أبواب الأدب؟
نسبياً نعم نجحت المرأة الأردنية في طرق أبواب الأدب مع اختلاف الصعوبات بين منطقة وأخرى, بعضهن حققن وجودا يستحق الوقوف والدراسة, والبعض خصوصاً في المناطق الأكثر محافظة وبعداً عن مركز العاصمة ما زلن يحاولن إثبات الذات والنجاح, وأظن بأنها مسألة وقت فقط حتى نجد لهن تواجداً مميزاً لا يقل عن تواجد الأخريات.
ماذا عن سقف الحرية والكتابة في الأردن؟
لم أشعر يوماً بأن هناك رقابة على الكتابة من أي نوع, نمارسها بكل حرية ولا وجود لثالوث المنع الدارج في بعض الدول العربية, نكتب بحرية مطلقة ما نشاء, هذا من خلال تجربتي الشخصية, فمساحة الحرية في الأردن كبيرة مقارنة مع بعض الدول العربية.
ما أهم المشكلات التي تواجه الثقافة العربية والأديب العربي؟
مشكلة الثقافة العربية أنها غير مؤثرة في المجتمعات ولم تشكل وعياً جمعياً يؤشر لوجود فاعل لهذا العدد الكبير من الأدباء والكتاب. تقوقع الأديب العربي داخل تكرار نمط معين من الفكر أثر سلبياً على عالميته, إذا أردنا أن نغير واقعنا العربي وجب على مثقفيه أن يتغلغلوا بين الناس ليكونوا منهم وينقلوا لهم أفكاراً مجدية تكون البداية لتكوين مجتمعات عربية خلاقة لها قادة فكر يؤثرون على الناس ويتأثرون بهم.
إلى أي حد حقق الأدب العربي وجوده عالميا؟
باستثناء بعض الأسماء المحدودة للأسف لا وجود للأدب العربي خارج أسوار القطر الذي ينتمي له ولولا فسحة العالم الافتراضي لما عرف الأدباء العرب عربياً أيضاً, قد يكون التقصير بهذا الأمر من الحكومات وليس من الأفراد, فالدول التي تهتم بالأدب والثقافة ستسعى ليتعرف العالم على أدبائها.
ما جديدك؟
عندي الكثير من المخطوطات التي أجلت نشرها لأسباب خاصة, وعندي رواية أعمل على إنجازها, ولا أعرف أي المخطوطات سيسبق الآخر للخروج.
ذات لقاء/ جريدة الدستور
قالت القاصة رائدة زقوت إنها تتخيل قارئا ذكيا وهي تكتب نصها الإبداعي، لافتة النظر إلى أن شخصية السارد ليس بالضرةرة أن تدخل في ثنايا النص، لكن عليها أن تكون شخصية صادقة بحيث تقنع القارئ بأدائها.
القاصة زقوت، التي أصدرت أخيرا مجموعتها القصصية الأولى «وشوشات قلم أحمر، تشتغل الآن على إنجاز رواية، مشيرة إلى أن الرواية قادرة على استيعاب أفكار جديدة ومنوعة.
في هذا الحوار تتحدث القاصة زقوت عن رؤيتها اللسارد والسرد معا.
* ما هي حدود الاختلاف بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل في القصة والرواية؟
ـ الكاتب المتمكن لا تستطيع تميز جنسه إن حمل على عاتقه وعاتق حرفه أن يبر بالقضية التي يطرحها من خلال القصة أو الرواية، فالكتابة بحد ذاتها لا تكون خالية من قضية محورية، قد تكون البطلة فيها أنثى والكاتب رجلا أو العكس، على أنني أحياناً أشعر بأن بعض الكاتبات أوصلن ووصلن لأعماق القارئ من خلال السرد المتقن للتفاصيل التي قد يغفل عنها الكاتب الرجل، تبقى المسألة فقط قدرة الكاتب/ الكاتبة على امتلاك الأدوات الإبداعية.
* تأخرت كثيرا في إصدار مجموعتك القصصية الأولى.. ما هي أسبابك لذلك؟
- أتواجد على الساحة منذ زمن بعيد عبر العالم الافتراضي، وكنت أقوم بنشر ما أكتبه في مدونة خاصة والعديد من المواقع الالكترونية، هذا سبّب نوعاً من التراخي في اللحاق بركب النشر والإصدارات الورقية، وتحت إلحاح العديد من الأصدقاء واستغرابهم من عدم وجود منشورات ورقية لي، توجهت للنشر عبر مجموعة قصصية، ولكني أحسب أن العالم الافتراضي ما زال سيد الموقف وفيه متعة النشر وردود الفعل المباشرة من القراء، على أن النشر الورقي هو ترسيخ للعمل، وتواجد لا بد منه، حفظاً للحقوق والديمومة .
* هل تتخيلين قارئا بعينه وأنت تكتبين، بمعنى هل تكتبين لشريحة معينة؟
- عندما أكتب أصاب بتوترٍ وقلق شديدين، أتخيل القارئ قاضياً سوف يحاسبني إن خرج النص عن حدود توقعاته، أخمن أن القراء أذكياء فوق العادة، لذلك أستحضر أكبر عددٍ منهم وأنا أكتب، ليخرج النص لائقاً بهم وصادقاً كما أردته تماماً ليتقبلوه ويتقبلوني كاتبة معه.
* متى تشعرين بالحاجة إلى الكتابة، وهل تملكين طقوسا خاصة لذلك؟
- سأجيب بمنتهى الصراحة عن هذا السؤال كي لا يظن البعض بأننا نكتب بمنتهى الرفاهية، أشعر بحاجة ملحة للكتابة وأنا أقوم بالأعمال المنزلية، فأهرع أحياناً لورقة صغيرة لأسجل عليها الفكرة، أو أركض صوب جهاز الحاسوب إن كان الوقت يسمح بذلك لأكتبها على عجل قبل أن تغادر في زحمة العمل، وأعود لاحقاً للعمل عليها، لا طقوس خاصة عندي إلا أنني أحب الهدوء التام عندما أشرع بالكتابة.
* السارد يختلف عن الشاعر، هل تجدين نفسك مضطرة أحيانا لتقديم شيء من سيرتك في النص؟
- يموت الكاتب دائما عندما يخرج النص للعلن تحت أي مسمى كان، شعراً، رواية أو قصة، لم أضطر لغاية الآن لتقديم نفسي بأي نص كتبته، وما لمسته من ردود فعل القراء كان شعورهم بوجودي في بعض النصوص، شعرت بالرضا لردود الفعل فهذا دليل قوي على أن السرد كان صادقا حد الالتباس.
* تكتبين الآن رواية، هل عجزت القصة القصيرة عن استيعابك، ام ان الرواية هي فن العصر؟
- لم تعجز القصة عن استيعابي ولن يكون ذلك على ما آمل، ولكن بعض الأفكار التراكمية تحتاج لقالب أكبر من فضاء القصة، أمارس فيه السير في طريق السرد من دون حاجة لتكثيف القصة والاختزال الذي نمارسه فيها، والأحداث حولنا حبلى كل يوم بتفاصيل جديدة ومتسارعة، لذلك توجهت للرواية كي لا أظلم هذا التسارع، الرواية فن عصري أوغل فيه الكثيرون، وقليل منهم جذب القارئ لروايته ليكملها، أعوّل على الفكرة والقضية المطروحة في النص، سواء كان قصة أو رواية، أكثر من تعويلي على عصرية الرواية من سواه.
الخميس، 6 فبراير 2014
بــــــــــــــــــــــراءة
سأتبرأ مني ..هذا القرار الوحيد الذي اتخذته بالإجماع مع نفسي وباقي النابضات بالعقل من الحواس ، لن أحتاج للكثير من الجهود أو فلسفة الأمور بطريقة دراماتيكية أو عقلانية كل ما هنالك أن علي أن أجهز الأمر بطريقة فنية غير مسرحية أو دعائية " بطبعي لا أعشق تسليط الأضواء عليّ كفرد متأرجح داخل مجتمع يعج بهواة عرض العضلات وحب الشهرة وتسليط الأضواء " ..
قررت أن تكون البراءة متقنة ،صادقة ، لا تحتمل أكثر من معناها الذي أريده في الواقع ، لذلك أخذت رأي الحواس بجملتها حتى لا أُلام لاحقا على هذا القرار المصيري ، بداية تجهزت داخلياً لذلك التغيير الذي سيواكب البراءة وما يليها من انسلاخ عن حياة حافلة بما يعجز القلم عن صوغه من أمور سواء تلك السوداء أو بعض النقاط البيضاء أو حتى ذلك الرمادي الذي اندسّ لاحقا في حياتي فأحالها لحياة لا لون لها ، عالقة بين أن تحارب السواد أو تتجه للبياض أو تبقى كالحمار الذي طلي بيد فنان ماهر ليبدو للناظر حماراً وحشياً وجاءته غيمة عابرة وأحالته لحمار رمادي فنسي أنه حمار عادي ولم يفلح بأن يكون حماراً وحشياً ، فضاع بين هذا وذاك .
جهزت ملابس بيضاء لأعود كيوم ولدتني أمي ، نقية ، تلتحف البياض من رأسها حتى أخمص القدم أو ربما كلون الأكفان التي لا بد أن يتم إلباسنا إياها ونحن لا نملك عندها حق رؤيتها في المرآة ولا حتى نشعر فيها كوننا نكون قد ودعنا هذه الدنيا للوقوف بين يدي "الرحمن الرحيم " تدثرت بالأبيض جيداً وتوجهت صوب ساحة المدينة حيث جلس المعنيون بأخذ صكوك البراءة وأخذ الدية من المتبرئ من نفسه والطبيب المختص بسحب الدم وإبداله بدم آخر تمت معالجته بطريقة حديثة وطبيب آخر يقوم بالتنويم المغناطيسي كي يتم طرد الشخصية المراد البراءة منها .
كانت المراسم معقدة بعض الشيء ، في البداية تم أخذ الدية وقد كانت مبلغاً كبيراً نوعا ما قمت بادخار بعضه منذ خطرت فكرة البراءة لي والباقي قمت بأخذه من محسنٍ كان يود الخلاص مني وقام بتوقيعي على " وصل أمانة " بأن أعيد المبلغ مضاعفاً عدة مرات في حال لم أقم بالبراءة مني ، ثم كان هنالك القسم بأنني الراغبة بالبراءة ولست مدفوعة لها من قبل أشخاص آخرين ، " ويحهم حين يجرؤون على دفع أحدهم للبراءة من نفسه" ، لا أظن أن أي قوة في العالم تدفع أحداً للبراءة من نفسه غير نفسه ، أقسمت اليمين وبدأت مراسم العمل الجاد ، تم تجهيز السرير والأطباء المعنيين بالموضوع العلمي للبراءة ، تم تركيب أجهزة سحب الدم وتجهيز الدم الجديد الذي سيتم ضخه في جسدي بعد أن يتم الطبيب عملية سحب الأول ، وذلك بعد أن يقوم الطبيب النفسي بتنويمي مغناطيسيا حتى ينزعني مني ، لا أعرف لمَ انتابني الفضول لأكون متيقظة أثناء عملية تبرئتي مني فتظاهرت بالنوم كما يريد الطبيب المختص بالتنويم المغناطيسي ، فأغمضت عيني وبدأت أتابعه وأنا حذرة جداَ من أن أقوم بحركة تظهر بأنني ما زلت مستيقظة ، كان الطبيب يوحي لعقلي بأن الخلاص من هذه المختلة المتعبة هو الحل الأمثل له للبقاء ، وكان يزين له الحياة القادمة بعد البراءة ، حياة بيضاء لا سواد فيها وعيشة ملؤها الهناء والسعادة والأهم أن النقاء سيكون هو المرادف للبياض القادم ، ضحكت بصوت مجلجل في أعماقي من هذا الداعي للنقاء والبياض وخاصة أنني أعرفه جيدا فقد كان يحول" مرتادي عيادته للعلاج من ناصعي البياض إلى أشخاص باللون الأسود القاتم" .
أنهى ذلك الطبيب المدعي دوره وأوعز للطبيب الآخر بأن يباشر عملية سحب الدم ، لاحظت انشغالهم وأنا مغمضة العينين ، فقررت فتح إحدى عيني قليلا لأشاهد باقي عملية البراءة ، يا إلهي كان لون الدم الجديد أحمر مائعاً وكأنه مُزج بالحليب ، أغمضت عندما اقترب مني الطبيب وهو يحمل بيده الأجهزة التي سيتم تركيبها في جسدي لتقوم بسحب الدم ، تألمت جداً ومع ذلك حاولت أن أخفي الألم حتى تتم العملية كما يجب رويداً ..رويداً بدأت أفقد القدرة على البقاء مستيقظة ، ضعف عام سرى في جسدي ، ثم فقدت حاسة السمع ، حاولت فتح عيوني ولم أفلح أيضا ، بدأت الحياة حولي تأخذ اللون الأبيض وغبت في غياهب الأبيض .
بعد وقت لا أعلم هل هو طويل أم قصير ، استيقظت ... كل ما حولي كان أبيض اللون الأرض ، السماء ، جسدي الذي تحول للون الأبيض الحليبي ، ...، تنفست الصعداء وحمدت الله على هذه النعمة التي وهبني ، حاولت الاسترخاء وسط هذه اللجة البيضاء ، ألقيت بجسدي على الأريكة البيضاء وما هي إلا دقائق حتى بدأ شيء ما يتسرب من أنفي وعيني وفمي وينتشر على تلك المساحات البيضاء ويحولها للون الرمادي المنقط بالسواد عندها أيقنت بأني فشلت في البراءة مني ....!!
نساء الليلك في عيون رواد العالم الافتراضي
كان سؤالاً بسيطاً وقصيراً عبر صفحتي بالفيس بوك حيث تنوع ثقافات الأصدقاء .
من هي المرأة ؟؟
وماذا تعني لك بعيداً عن الإجابة النمطية، أي ... أمي ... وأختي ... ورفيقة دربي
المرأة هنا على النت، المرأة في العمل، في الشارع، في أي مكان تتواجد فيه، ماذا تعني لكَ ولكِ أيضاً ؟؟
بعض الإجابات لم تسقط النظرة التقليدية للمرأة من كونها نصف المجتمع وجنته... وريحه وريحانه، وبعضها طبعاً رغم الطلب الصريح بأني لا أريد رأيه بخاصته من النساء إلا أن الإجابات كانت من واقع علاقته بخاصته منهن ... أم ... أخت ...بنت وزوجة .
من الإجابات الصادقة التي حظيت بها كانت إجابة من صديق تثير تساؤلاً كبيراً حول مدى تحكم مجمل العادات والتقاليد في تواجدنا هنا في العالم الافتراضي جنباً إلى جنب لا يحكم بيننا غير حرف وفكرة تطرح سواءً أكانت أدبية أم ثقافية للنقاش !!
كانت الإجابة أن نظرة الرجل للصداقة مع المرأة ستدفعه ليقلل من احترامه لها كونه سينظر لها كأنثى بغض النظر عن مدى نقاء هذه العلاقة، وسيتعامل معها وفق نهج ذكوري فقط مهما بلغت ثقافته وبلغ علمه !!
ربما هذه الإجابة رغم عدم تكرارها بهذا الوضوح في باقي الإجابات إلا أنها بالتأكيد بزغت في حروف البعض كومضة حاول تغليفها بألفاظ منتقاة.
عند التعامل مع عدد كبير من الأصدقاء على الفيس تجد هذه الإجابة حقيقة ماثلة أمامك، وأردد كلمة الفيس بوك لسبب بسيط أنه مجتمع مختلط مصغر تتعامل مع الأصدقاء فيه بقوة وبشكل مباشر، وكأنه نموذج للاختلاط الذي هربنا منه فترة طويلة في حياتنا العامة، محملين الشيطان مهمة توريطنا في عبثية الاختلاط، وموجهين له مجمل ما نقوم به من استفراد بالتواجد مع الطرف الآخر.
تتضح الإجابة من تواجد عدد هائل من الأصدقاء الذكور عند حرف الأنثى للتعليق والتفاعل معه رغم أنه أحياناً لا يحمل فكرة، ولا يتجاوز أن يكون جملة منمقة مختصرة، وترك موضوع مهم وقيم عند صديق ذكر أو عند أنثى أخرى تمثل الجدية والالتزام في الطرح، إذا نحن هنا لم نتجاوز ذواتنا الباحثة عن الآخر وعن العلاقة الثنائية الأزلية بين الأنثى والذكر .
إجابة أخرى معاكسة للأولى كانت من صديق شعرت بصدقه، وبصدق نظرته للمرأة، وكونه متواجداً ضمن قائمة الأصدقاء من فترة طويلة، وكنت أتابع تفاعله مع المواضيع الجادة وبحياد، فقد سعدت برأيه وبنظرته للمرأة الزميلة في العمل، فقد أوضح بأن طاقة المرأة كبيرة، ومخزون العطاء عندها مليء فقط إذا أحست بالأمان في محيط عملها، والأمان هو أن تشعر بتقبل الآخر لها، والاقتناع بفكرها، وإنتاجها بغض النظر عن النظرة الجندرية، كم نحتاج في العمل وهنا في هذه الفسحة لأمثال هذا الصديق، عندها فقط ستبذل المرأة أقصى طاقاتها وهي مرتاحة بتأدية الواجب، لا تبذله لتثبت وجودها وقدرتها على العمل !!
هذه مقتطفات من إجابات بعض الصديقات على السؤال فلا يمكن أن نغفل رأيها في ما هو حاصل نتيجة هذا الاختلاط، صديقة منهن حملت المرأة مسؤولية ما تتعرض له، وهي وحدها القادرة على تحديد نوع التعامل معها من خلال عملها، أو تواجدها في العالم الافتراضي، وصديقة أخرى وهي بالمناسبة كاتبة وجادة كانت إجابتها تشعرك بالمرارة لما تتعرض له المرأة من مضايقات بصفتها الأنثوية، سواء في العمل أو في العالم الافتراضي .
هذا مختصر لنقاش طويل حصل على صفحتي بالفيس بوك، يحمل الجدلية نفسها القائمة بين المرأة ككائن بشري يمثل مع الذكر نواة الحياة وعنصرها الرئيسي، وبين نظرة المجتمع بشقيه لها، لا يمكن هنا أن نغفل أن المرأة إنسان مكتمل الإنسانية، ويجب أن تعامل وفق هذا أينما كان تواجدها، لنخرج من بوتقة النظرة السلبية لها، نترك الحكم للإنتاجية في مجال إنتاجها لنتجاوز عقبة العادات والتقاليد البالية، ونكون فكر يليق بهذه التقنيات التي جاءت لنا هبة، على طبق من ذهب، ليثبت كل وجوده وفق كفاءته وقدرته على العطاء، لا وفق صفات بيولوجية، قد تظلم طرفاً على حساب الآخر.
لنساء الليلك أقول : الليلك من فصيلة الزيتونيات، يتحمل العطش والظروف القاسية، وينبت بين الصخور، لنكون الليلك في كل قوته وتحمله وجماله أيضاً .
من هي المرأة ؟؟
وماذا تعني لك بعيداً عن الإجابة النمطية، أي ... أمي ... وأختي ... ورفيقة دربي
المرأة هنا على النت، المرأة في العمل، في الشارع، في أي مكان تتواجد فيه، ماذا تعني لكَ ولكِ أيضاً ؟؟
بعض الإجابات لم تسقط النظرة التقليدية للمرأة من كونها نصف المجتمع وجنته... وريحه وريحانه، وبعضها طبعاً رغم الطلب الصريح بأني لا أريد رأيه بخاصته من النساء إلا أن الإجابات كانت من واقع علاقته بخاصته منهن ... أم ... أخت ...بنت وزوجة .
من الإجابات الصادقة التي حظيت بها كانت إجابة من صديق تثير تساؤلاً كبيراً حول مدى تحكم مجمل العادات والتقاليد في تواجدنا هنا في العالم الافتراضي جنباً إلى جنب لا يحكم بيننا غير حرف وفكرة تطرح سواءً أكانت أدبية أم ثقافية للنقاش !!
كانت الإجابة أن نظرة الرجل للصداقة مع المرأة ستدفعه ليقلل من احترامه لها كونه سينظر لها كأنثى بغض النظر عن مدى نقاء هذه العلاقة، وسيتعامل معها وفق نهج ذكوري فقط مهما بلغت ثقافته وبلغ علمه !!
ربما هذه الإجابة رغم عدم تكرارها بهذا الوضوح في باقي الإجابات إلا أنها بالتأكيد بزغت في حروف البعض كومضة حاول تغليفها بألفاظ منتقاة.
عند التعامل مع عدد كبير من الأصدقاء على الفيس تجد هذه الإجابة حقيقة ماثلة أمامك، وأردد كلمة الفيس بوك لسبب بسيط أنه مجتمع مختلط مصغر تتعامل مع الأصدقاء فيه بقوة وبشكل مباشر، وكأنه نموذج للاختلاط الذي هربنا منه فترة طويلة في حياتنا العامة، محملين الشيطان مهمة توريطنا في عبثية الاختلاط، وموجهين له مجمل ما نقوم به من استفراد بالتواجد مع الطرف الآخر.
تتضح الإجابة من تواجد عدد هائل من الأصدقاء الذكور عند حرف الأنثى للتعليق والتفاعل معه رغم أنه أحياناً لا يحمل فكرة، ولا يتجاوز أن يكون جملة منمقة مختصرة، وترك موضوع مهم وقيم عند صديق ذكر أو عند أنثى أخرى تمثل الجدية والالتزام في الطرح، إذا نحن هنا لم نتجاوز ذواتنا الباحثة عن الآخر وعن العلاقة الثنائية الأزلية بين الأنثى والذكر .
إجابة أخرى معاكسة للأولى كانت من صديق شعرت بصدقه، وبصدق نظرته للمرأة، وكونه متواجداً ضمن قائمة الأصدقاء من فترة طويلة، وكنت أتابع تفاعله مع المواضيع الجادة وبحياد، فقد سعدت برأيه وبنظرته للمرأة الزميلة في العمل، فقد أوضح بأن طاقة المرأة كبيرة، ومخزون العطاء عندها مليء فقط إذا أحست بالأمان في محيط عملها، والأمان هو أن تشعر بتقبل الآخر لها، والاقتناع بفكرها، وإنتاجها بغض النظر عن النظرة الجندرية، كم نحتاج في العمل وهنا في هذه الفسحة لأمثال هذا الصديق، عندها فقط ستبذل المرأة أقصى طاقاتها وهي مرتاحة بتأدية الواجب، لا تبذله لتثبت وجودها وقدرتها على العمل !!
هذه مقتطفات من إجابات بعض الصديقات على السؤال فلا يمكن أن نغفل رأيها في ما هو حاصل نتيجة هذا الاختلاط، صديقة منهن حملت المرأة مسؤولية ما تتعرض له، وهي وحدها القادرة على تحديد نوع التعامل معها من خلال عملها، أو تواجدها في العالم الافتراضي، وصديقة أخرى وهي بالمناسبة كاتبة وجادة كانت إجابتها تشعرك بالمرارة لما تتعرض له المرأة من مضايقات بصفتها الأنثوية، سواء في العمل أو في العالم الافتراضي .
هذا مختصر لنقاش طويل حصل على صفحتي بالفيس بوك، يحمل الجدلية نفسها القائمة بين المرأة ككائن بشري يمثل مع الذكر نواة الحياة وعنصرها الرئيسي، وبين نظرة المجتمع بشقيه لها، لا يمكن هنا أن نغفل أن المرأة إنسان مكتمل الإنسانية، ويجب أن تعامل وفق هذا أينما كان تواجدها، لنخرج من بوتقة النظرة السلبية لها، نترك الحكم للإنتاجية في مجال إنتاجها لنتجاوز عقبة العادات والتقاليد البالية، ونكون فكر يليق بهذه التقنيات التي جاءت لنا هبة، على طبق من ذهب، ليثبت كل وجوده وفق كفاءته وقدرته على العطاء، لا وفق صفات بيولوجية، قد تظلم طرفاً على حساب الآخر.
لنساء الليلك أقول : الليلك من فصيلة الزيتونيات، يتحمل العطش والظروف القاسية، وينبت بين الصخور، لنكون الليلك في كل قوته وتحمله وجماله أيضاً .
بين زمن ولادة بنت المستكفي وزمننا : دعوة للتأمل
المرأة على اختلاف أماكن تواجدها، ماذا أعدت لغدها وكيف تقرأ التاريخ ؟ تاريخ المرأة العربية التي ما فتئنا نطالبها بأن تستعيد وضعه، وأن تعمل لتخرج من بوتقة التجهيل التي أراد لها البعض أن تُسجن فيها، وساعدتهم للأسف هي في السكون والخنوع لهذا السجن، يحمل لنا تاريخنا المشرف الكثير من قصص التميز التي خلدت أسماء نساء بحروف من ذهب، وكل امرأة خلدها التاريخ كانت لها قصة ورحلة مع نفسها ومع المجتمع الذي عاشت فيه، ومن هذه القصص ومن هؤلاء الخالدات اخترت أكثرهن إثارة للجدلـ ربما لأن الفاصل الزمني بين زمننا هذا وزمنها كان النقطة الأكثر غرابة ،التي تصب في صالحها، وتدفعنا للتعمق بما تملك المرأة من إمكانيات لو قدر لها أن تنطلق على سجيتها .
أنا واللَه أصلح للمعالي
وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها
أمكّنُ عاشقي من صحن خدّي
وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها
بيتان من الشعر كانا بمثابة شهادة تاريخية تلقي الضوء على مسيرة تلك الشاعرة الأميرة، سليلة الأسرة الحاكمة في العصر الأندلسي، تم تناقلهما وتوثيقهما باسمها عبر التاريخ، بعد أن قامت هذه الشاعرة بتوثيق البيتين بالذهب على ثوبها للتعريف بنفسها على طريقتها الخاصة .
تدفعنا السيرة الذاتية للشاعرة الى التوقف ملياً عند تاريخها، ومعاودة النبش بحثاً عما ميزها وجعلها من أشهر نساء عصرها وأكثرهن إثارة للجدل .
ولادة بنت المستكفي شاعرة أندلسية سليلة بيت الخلافة، هي بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر لدين الله الأموي .
اشتهرت بالشعر وبجزالة الألفاظ والجرأة، وكانت عفيفة ذات شرف ولم يذكر عنها الفسوق أو ما شابه، رغم جرأتها وعاطفتها التي كانت تظهر جلية في شعرها، وهي من الشاعرات الأندلسيات القلائل اللاتي نظمن الشعر وأجدن فيه، وحفرن أسماءهن على صفحة التاريخ.
اتهمها البعض بأنها لعوب فاتنة فقد وصفت بالحسن بالإضافة للجرأة في الحديث وفي نظم الشعر، بعض ما كتبته لا يرقى أن يكون قصائد من حيث عدد الأبيات ،لكنه قصيد مكتمل من حيث المعنى.
أكثر ما ميزها مجلسها الشعري الذي كان يؤمه الشعراء والأدباء والأعيان التداول في الأمور الأدبية والشعرية ، وكانت معروفة بالكرم وحسن المعشر واحترام الشعر والشعرا،ء وهذا ما دفع بعض الرواة لتناول سيرتها على أنها مثيرة للجدل، حيث كانت تبوح بما لديها بشكل واضح وصارخ .
كونها امرأة لم يمنعها أن تتمتع بالقدرة والجرأة على الهجاء ، تناثرت في كتب التاريخ مقطاعاتهنا وهناك تعاتب وتهجو فيها لم نورد شيئاً منها هنا لعدم لياقة بعض العبارات التي - ربما- كانت مستساغة آنذاك.
أحبها ابن زيدون حبا شديداً ونظم فيها الكثير من الأشعار، ونونية ابن زيدون الشهيرة شاهد على حبه لهذه الشاعرة، وقد كان ينافسه في حبها الوزير ابن عبدوس الذي تشير المصادر إلى كره الأميرة الشاعرة له .
عاشت ولادة في الفترة ما بين ( 994- 1091) قبل نحو ألف عام، وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني لتناول هذه الشخصية التاريخية .
يقال إنه يؤخذ على شعرها مأخذ آخر غير الجرأة والصراحة، وهو أنه كان شعر نسائي بامتياز وهذا يسجل لها لا عليها رغم ما تناوله الرواة عن سيرتها .
المقارنة بين الزمن الذي عاشت فيه ولادة بنت المستكفي وبين زمننا الحاضر ،لا ريب تصب من حيث مدى الحرية والجرأة في التعبير لصالح الزمن الحاضر بكل ما فيه من حرية وتطور حضاري وتكنولوجي، لم يكن ليتوفر بأي حال في العصر الأندلسي أو أي عصر سابق آخر، ومع ذلك أكاد أجزم أن حرية التعبير عن النفس بالشعر وبالكتابة، كانت تخترق جدار الألف عام الفاصلة زمنياً بين العصرين لتحسب في صالح ولادة وصالح نساء عصرها .
صحيح أننا قد وصلتنا أسماء كثيرة عن نساء شواعر حفظها لنا التاريخ، إلا أن ظروف كل واحدة منهن هي التي جعلت اسمها يطفو على سطح التاريخ كالخنساء وغيرها، وبالحديث عن هذه الشاعرة الكبيرة تلوح لنا مقولة قديمة أنه عندما قرأت الخنساء شعراً أمام النابغة وأجازها كثير من الشعراء بينما قال الفرزدق في امرأة قالت شعراً"إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها". وهكذا فإن المرأة سعت طوال التاريخ لأن تقشع هذا الغيم المتراكم منذ عقود طويلة حتى ..
بدأ عصر النهضة فكانت هناك أقلام نسائية لا ترقى لتكون ظاهرة واضحة للعيان من حيث الجرأة والطرح بالوتيرة التي كانت عليها ولادة في ذلك العصر، باستثناء البعض ممن أسعفهن الحظ وظهرن بقوة وخلدت أسماؤهن كرائدات منهن على سبيل المثال لا الحصر مي زيادة، نازك الملائكة، فدوى طوقان وفي فترة لاحقة غادة السمان، وأحلام مستغانمي، ولم تسلم بعض الأقلام من الهجوم عليها واتهامها بالشخصنة في الطرح ،سواء كان النص شعراً أو نثراً، وقد يتعدى الأمر الشعر والنثر ويطال كاتبات القصة والرواية انفسهن .
هذه مقارنة قد تظلم المرأة في عصر النهضة الذي نعيشه ، أكثر من أي ظلم آخر تم التركيز عليه . المرأة ...الكاتبة , الشاعرة والأديبة تحتاج للدعم لتمارس الحرية في الكتابة، من غير أن تسلط عليها أضواء النقد الجارحة لشخصها لا لقلمها، وضرورة التمييز بين القلم وصاحبته، واعتماد النقد المحايد للكتابة والفكرة والمضمون .
بغض النظر عن تحفظي الشخصي على جرأة ولادة، أو بعض ما نقل على لسانها من أشعار أقل ما يمكن أن توصف فيه أنها أجرأ مما قد تكتبه أنثى من حيث الألفاظ وصراحتها ، إلا أن موضوع الحرية الشخصية والقدرة على تناول المواضيع واختيار ما تراه مناسبا من ألفاظ في زمن يبعدنا عنه ألف سنة ، هو ما لفت النظر لـولادة ولتلك الفترة أيضاً كما أشرت.
أن يترك للقلم العنان ليكتب ما يشاء بغير أن يتعدى على حقوق الغير، لعمري هذه هي الحرية بأم عينها ولا تحتاج سوى لأن نتقبل ما يقوله الآخر، بصرف النظر عن جنسه ذكراً كان أو أنثى. كم من الأقلام تعيش بين ظهرانينا اليوم وتضطر للظهور بمظهر مغاير لما هي عليه في الأصل ؟ كم من المواضيع التي نتحاشى اخوض فيها باعتبارها تندرج في "الممنوع" أو تدخل باب غير اللائق طرحه من مواضيع مراعاة للعادات، أو الالتفاف على الموضوع بمنع الكاتب من تناوله لأنه "مسيء للذوق العام" ؟. هذه أيضا طريقة من الطرق الملتوية للحد من حرية الكتابة ، فلا أحد يملك معايير لما هو مسيء للذوق العام، وهذه حجة تساق رغم انه من المستحيل وضع سقف موحد لما يرضي الذائقة العامة، أو ما هو مسيء لها ما دام الموضوع لا يمس ديانة ولا يتناول أحداً في إساءة مباشرة، إذ هو محض ممارسة حرية كتابية لا سلطة عليها، والتعبير الطليق عن رأي أو مشاعر بغير ان يشعر المبدع بمجموعة من الرقباء تتناول ما هو مكتوب بالتحريف، وتلصق الصفات بكاتبها أو كاتبتها وفق أهواء خاصة بالمحلل لا تعمم في الغالب .
بالعودة لـولادة فلم يوقفها نسب ولا وضع اجتماعي عن ممارسة حرية التعبير بأي لفظ متداول في زمانها، ولم يثنها التقول عليها عن ممارسة حقها بأن تنظم الشعر، وأن تعقد المجالس الشعرية، وتتبادل مع الشعراء الأبيات الشعرية بكل جرأة محققة بذلك أفكاراً ما زالت تراودنا بعودة ازدهار الصالونات الأدبية ،بكل ما فيها من فرصة للنهضة بالواقع الأدبي وعودة قوية للشعر العربي، الذي هو بلا شك وعبر التاريخ الطويل عماد الأدب العربي .
ربما يحتاج الأمر لأكثر من قلم يكتب هنا أو هناك. الأمر يحتاج لمجهود جماعي مشترك بين طرفي المعادلة الكتابية من الجنسين، لأن الكتابة فعل حياة جماعي لا فرق بين كاتب أو كاتبة ، شاعر أو شاعرة، والنظرة يجب أن تكون محايدة بالمطلق والتشجيع لا يخضع لأجندة جندارية، فكم من الأقلام الجيدة التي طمرت بناء على أحكام مسبقة بتهم باطلة تطال الكاتب أو الكاتبة، لأنه مارس نوعا من الحرية في التعبير عن آرائه ووجد من يقف له بالمرصاد، ويصدر حكم إعدام بحق حرفٍ نطق بما لا يشتهي .
بين زمن ولادة وزمن العالم الافتراضي مقارنة تصب في صالح زمن ولادة بلا أدنى شك ، فرغم اتهامها من قبل البعض بالفسوق، لم يثنِها هذا عن الاستمرار في نظم الشعر غزلاً ومدحاً وهجاء. لم تضطر لنظم الشعر باسم مستعار، أو بصورة مغايرة لما تريد هي أن تكون عليه أشعارها، بل نظمته على رؤوس الأشهاد في أمسيات شعرية في مجلسها الذي خصصته لهذه الغاية، حيث تحيد الشخصنة وينتصر الابداع على ما سواه ، كانت بذلك أكثر جرأة من شاعرات عصر النهضة، باتخاذ توقيع لها من حرفها ونظمها وسمت فيه ثيابها وأصبحت الأشهر لأنها عبرت عن مكنون نفسها من غير وجلٍ وبلا خوفٍ من تفسير خاطئ لما تقوم فيه.
نحتاج لجرأة ولادة من غير حروفها، فلكل منا حروفه وسماته الخاصة التي تميزه عن غيره من الكتاب ، نحتاج العبرة والعظة منها لنكن نحن كما نريد ، نكتب من غير أن ننتظر من يقول لنا هنا تجاوزت أو تجاوزتِ وهنا قف لا يجوز، فالنصرة للحرف هي أول خطوة في طريق تحرير النفس من قيودها، هي الخطوة الأهم للتطور الفعلي والجدي، الذي لا بد سينعكس على كافة أوجه الحياة لاحقاً، فغراس حرية الحرف والكلمة سريعة النمو.. معمرة، تحتاج فقط أن نكون أنفسنا كما نريد نحن، لا كما يراد لنا أن نكون
أنا واللَه أصلح للمعالي
وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها
أمكّنُ عاشقي من صحن خدّي
وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها
بيتان من الشعر كانا بمثابة شهادة تاريخية تلقي الضوء على مسيرة تلك الشاعرة الأميرة، سليلة الأسرة الحاكمة في العصر الأندلسي، تم تناقلهما وتوثيقهما باسمها عبر التاريخ، بعد أن قامت هذه الشاعرة بتوثيق البيتين بالذهب على ثوبها للتعريف بنفسها على طريقتها الخاصة .
تدفعنا السيرة الذاتية للشاعرة الى التوقف ملياً عند تاريخها، ومعاودة النبش بحثاً عما ميزها وجعلها من أشهر نساء عصرها وأكثرهن إثارة للجدل .
ولادة بنت المستكفي شاعرة أندلسية سليلة بيت الخلافة، هي بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر لدين الله الأموي .
اشتهرت بالشعر وبجزالة الألفاظ والجرأة، وكانت عفيفة ذات شرف ولم يذكر عنها الفسوق أو ما شابه، رغم جرأتها وعاطفتها التي كانت تظهر جلية في شعرها، وهي من الشاعرات الأندلسيات القلائل اللاتي نظمن الشعر وأجدن فيه، وحفرن أسماءهن على صفحة التاريخ.
اتهمها البعض بأنها لعوب فاتنة فقد وصفت بالحسن بالإضافة للجرأة في الحديث وفي نظم الشعر، بعض ما كتبته لا يرقى أن يكون قصائد من حيث عدد الأبيات ،لكنه قصيد مكتمل من حيث المعنى.
أكثر ما ميزها مجلسها الشعري الذي كان يؤمه الشعراء والأدباء والأعيان التداول في الأمور الأدبية والشعرية ، وكانت معروفة بالكرم وحسن المعشر واحترام الشعر والشعرا،ء وهذا ما دفع بعض الرواة لتناول سيرتها على أنها مثيرة للجدل، حيث كانت تبوح بما لديها بشكل واضح وصارخ .
كونها امرأة لم يمنعها أن تتمتع بالقدرة والجرأة على الهجاء ، تناثرت في كتب التاريخ مقطاعاتهنا وهناك تعاتب وتهجو فيها لم نورد شيئاً منها هنا لعدم لياقة بعض العبارات التي - ربما- كانت مستساغة آنذاك.
أحبها ابن زيدون حبا شديداً ونظم فيها الكثير من الأشعار، ونونية ابن زيدون الشهيرة شاهد على حبه لهذه الشاعرة، وقد كان ينافسه في حبها الوزير ابن عبدوس الذي تشير المصادر إلى كره الأميرة الشاعرة له .
عاشت ولادة في الفترة ما بين ( 994- 1091) قبل نحو ألف عام، وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني لتناول هذه الشخصية التاريخية .
يقال إنه يؤخذ على شعرها مأخذ آخر غير الجرأة والصراحة، وهو أنه كان شعر نسائي بامتياز وهذا يسجل لها لا عليها رغم ما تناوله الرواة عن سيرتها .
المقارنة بين الزمن الذي عاشت فيه ولادة بنت المستكفي وبين زمننا الحاضر ،لا ريب تصب من حيث مدى الحرية والجرأة في التعبير لصالح الزمن الحاضر بكل ما فيه من حرية وتطور حضاري وتكنولوجي، لم يكن ليتوفر بأي حال في العصر الأندلسي أو أي عصر سابق آخر، ومع ذلك أكاد أجزم أن حرية التعبير عن النفس بالشعر وبالكتابة، كانت تخترق جدار الألف عام الفاصلة زمنياً بين العصرين لتحسب في صالح ولادة وصالح نساء عصرها .
صحيح أننا قد وصلتنا أسماء كثيرة عن نساء شواعر حفظها لنا التاريخ، إلا أن ظروف كل واحدة منهن هي التي جعلت اسمها يطفو على سطح التاريخ كالخنساء وغيرها، وبالحديث عن هذه الشاعرة الكبيرة تلوح لنا مقولة قديمة أنه عندما قرأت الخنساء شعراً أمام النابغة وأجازها كثير من الشعراء بينما قال الفرزدق في امرأة قالت شعراً"إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها". وهكذا فإن المرأة سعت طوال التاريخ لأن تقشع هذا الغيم المتراكم منذ عقود طويلة حتى ..
بدأ عصر النهضة فكانت هناك أقلام نسائية لا ترقى لتكون ظاهرة واضحة للعيان من حيث الجرأة والطرح بالوتيرة التي كانت عليها ولادة في ذلك العصر، باستثناء البعض ممن أسعفهن الحظ وظهرن بقوة وخلدت أسماؤهن كرائدات منهن على سبيل المثال لا الحصر مي زيادة، نازك الملائكة، فدوى طوقان وفي فترة لاحقة غادة السمان، وأحلام مستغانمي، ولم تسلم بعض الأقلام من الهجوم عليها واتهامها بالشخصنة في الطرح ،سواء كان النص شعراً أو نثراً، وقد يتعدى الأمر الشعر والنثر ويطال كاتبات القصة والرواية انفسهن .
هذه مقارنة قد تظلم المرأة في عصر النهضة الذي نعيشه ، أكثر من أي ظلم آخر تم التركيز عليه . المرأة ...الكاتبة , الشاعرة والأديبة تحتاج للدعم لتمارس الحرية في الكتابة، من غير أن تسلط عليها أضواء النقد الجارحة لشخصها لا لقلمها، وضرورة التمييز بين القلم وصاحبته، واعتماد النقد المحايد للكتابة والفكرة والمضمون .
بغض النظر عن تحفظي الشخصي على جرأة ولادة، أو بعض ما نقل على لسانها من أشعار أقل ما يمكن أن توصف فيه أنها أجرأ مما قد تكتبه أنثى من حيث الألفاظ وصراحتها ، إلا أن موضوع الحرية الشخصية والقدرة على تناول المواضيع واختيار ما تراه مناسبا من ألفاظ في زمن يبعدنا عنه ألف سنة ، هو ما لفت النظر لـولادة ولتلك الفترة أيضاً كما أشرت.
أن يترك للقلم العنان ليكتب ما يشاء بغير أن يتعدى على حقوق الغير، لعمري هذه هي الحرية بأم عينها ولا تحتاج سوى لأن نتقبل ما يقوله الآخر، بصرف النظر عن جنسه ذكراً كان أو أنثى. كم من الأقلام تعيش بين ظهرانينا اليوم وتضطر للظهور بمظهر مغاير لما هي عليه في الأصل ؟ كم من المواضيع التي نتحاشى اخوض فيها باعتبارها تندرج في "الممنوع" أو تدخل باب غير اللائق طرحه من مواضيع مراعاة للعادات، أو الالتفاف على الموضوع بمنع الكاتب من تناوله لأنه "مسيء للذوق العام" ؟. هذه أيضا طريقة من الطرق الملتوية للحد من حرية الكتابة ، فلا أحد يملك معايير لما هو مسيء للذوق العام، وهذه حجة تساق رغم انه من المستحيل وضع سقف موحد لما يرضي الذائقة العامة، أو ما هو مسيء لها ما دام الموضوع لا يمس ديانة ولا يتناول أحداً في إساءة مباشرة، إذ هو محض ممارسة حرية كتابية لا سلطة عليها، والتعبير الطليق عن رأي أو مشاعر بغير ان يشعر المبدع بمجموعة من الرقباء تتناول ما هو مكتوب بالتحريف، وتلصق الصفات بكاتبها أو كاتبتها وفق أهواء خاصة بالمحلل لا تعمم في الغالب .
بالعودة لـولادة فلم يوقفها نسب ولا وضع اجتماعي عن ممارسة حرية التعبير بأي لفظ متداول في زمانها، ولم يثنها التقول عليها عن ممارسة حقها بأن تنظم الشعر، وأن تعقد المجالس الشعرية، وتتبادل مع الشعراء الأبيات الشعرية بكل جرأة محققة بذلك أفكاراً ما زالت تراودنا بعودة ازدهار الصالونات الأدبية ،بكل ما فيها من فرصة للنهضة بالواقع الأدبي وعودة قوية للشعر العربي، الذي هو بلا شك وعبر التاريخ الطويل عماد الأدب العربي .
ربما يحتاج الأمر لأكثر من قلم يكتب هنا أو هناك. الأمر يحتاج لمجهود جماعي مشترك بين طرفي المعادلة الكتابية من الجنسين، لأن الكتابة فعل حياة جماعي لا فرق بين كاتب أو كاتبة ، شاعر أو شاعرة، والنظرة يجب أن تكون محايدة بالمطلق والتشجيع لا يخضع لأجندة جندارية، فكم من الأقلام الجيدة التي طمرت بناء على أحكام مسبقة بتهم باطلة تطال الكاتب أو الكاتبة، لأنه مارس نوعا من الحرية في التعبير عن آرائه ووجد من يقف له بالمرصاد، ويصدر حكم إعدام بحق حرفٍ نطق بما لا يشتهي .
بين زمن ولادة وزمن العالم الافتراضي مقارنة تصب في صالح زمن ولادة بلا أدنى شك ، فرغم اتهامها من قبل البعض بالفسوق، لم يثنِها هذا عن الاستمرار في نظم الشعر غزلاً ومدحاً وهجاء. لم تضطر لنظم الشعر باسم مستعار، أو بصورة مغايرة لما تريد هي أن تكون عليه أشعارها، بل نظمته على رؤوس الأشهاد في أمسيات شعرية في مجلسها الذي خصصته لهذه الغاية، حيث تحيد الشخصنة وينتصر الابداع على ما سواه ، كانت بذلك أكثر جرأة من شاعرات عصر النهضة، باتخاذ توقيع لها من حرفها ونظمها وسمت فيه ثيابها وأصبحت الأشهر لأنها عبرت عن مكنون نفسها من غير وجلٍ وبلا خوفٍ من تفسير خاطئ لما تقوم فيه.
نحتاج لجرأة ولادة من غير حروفها، فلكل منا حروفه وسماته الخاصة التي تميزه عن غيره من الكتاب ، نحتاج العبرة والعظة منها لنكن نحن كما نريد ، نكتب من غير أن ننتظر من يقول لنا هنا تجاوزت أو تجاوزتِ وهنا قف لا يجوز، فالنصرة للحرف هي أول خطوة في طريق تحرير النفس من قيودها، هي الخطوة الأهم للتطور الفعلي والجدي، الذي لا بد سينعكس على كافة أوجه الحياة لاحقاً، فغراس حرية الحرف والكلمة سريعة النمو.. معمرة، تحتاج فقط أن نكون أنفسنا كما نريد نحن، لا كما يراد لنا أن نكون
كومة ورق ومسارب بلا عودة
رغم كل ما وصلت له المرأة، إن وصلت لمبتغاها كما يجب !! ما زلنا نجد من يضع العراقيل في دواليب بعض من حباهن الله لمحات أدبية إبداعية، أو ولدت موهوبة بالفطرة، وجاءت في وسط يحرم عليها أن تكتب الأدب، أو تخطه حتى كهواية كسائر الهوايات التي يمارسها البعض من الذكور بالطول والعرض دون أدنى تدخل من أحد، أو حتى مجرد تعرض للنقد ولو كان لا يفقه من الأدب إلا أن يكتب بعض ما يعتمل بصدره .
مشكلة ربما لا يسلط عليها الضوء بشكل كافٍ، ولا تأخذ حقها من العرض كمشكلة قائمة تتعرض لها الكثير من النساء، لا لسبب إلا لأن البعض ما زال يعتبر أن هذا يتعارض مع كونها زوجة وأم وربة بيت، أو أنه يعتبر من وجهة نظر البعض نوعاً من الترف تمارسه المرأة لملء وقت الفراغ، لا دور له لاحقاً إن تحولت لزوجة وأم !!
كانت صديقة لنا في عالم التدوين، تمتلك قلماً مميزاً جداً، وفكراً ناضجاً، سعدنا بوجودها ونحن الذين نحاول أن نركز على نشر وعي نسائي، يتجاوز حدود جسد المرأة وجمالها الخارجي، لنظهر عقلها وحجم المعرفة والوعي الذي يجب أن تظهر به، وسط عالم افتراضي يعج بالراغبات والراغبين من الجنسين بالتركيز على بقاء الدور النمطي لصورة المرأة، كما هي أو كما يريدون لها أن تبقى، أنثى .. مغناج ..( غارقة في الحرملك ) تجيد استخدام أنوثتها لتبقى قبلة " سي السيد " الباحث عمن ترضي ذكورته، وتبقى هي ركيزة الكون الجمالية الباحثة عمن يرضي غرورها !! ... كانت كما أسلفت تمتاز بفكر ووعي وحضور قوي، كنّا نتابع كل ما تأتي به بفخر واعتزاز بوجودها الرافع من سوية التدوين والأقلام النسائية الجادة، بعد شهور عدة، افتقدنا تواجدها، وقد ظنناها في فترة استراحة من عالم التدوين، طال غيابها، وبعد مدة من الزمن، لم نجد لها آثراً، وقد قامت بحذف المدونة، وعندما اتصلنا بها وجدناها تقول صراحة : " تزوجت وزوجي يرفض أن أستخدم النت ويرفض أن أمارس الكتابة " .. هكذا بكل بساطة تطفأ شمعة كانت ستنير في عالم المرأة وتؤسس مع أخريات لأدب نسائي راقٍ وفكر إنساني حر يدحض ما يردده البعض عن عدم قدرة المرأة على مجاراة الرجل في الفكر والعقل
هذا نموذج من عدة نماذج نصادفها كل يوم، نقرأ عنها، أو يأتينا بأخبارها من يعرف بعض هذه النماذج عن كثب، لا يرتبط الأمر بهاوية تمارس الكتابة في العالم الافتراضي، أو باحثة عن ملاذ لتنشر فيه بعض ما قد تبدعه، بل يتعداه أحياناً ، لكسر أقلام أخذت فرصتها من الشهرة والتواجد في المجال الأدبي الإبداعي .
ليس تجنياً على أحد، ولكن عندما تخيّر الكاتبة بين الكتابة والطلاق، فهذا هو الإجحاف بأم عينه، أو أن تخير بين الزوج والبيت وبين الكتابة، وكأن كتابتها ستلغي دورها كأم أو تصادر من الزوج بعض حقوقه !!
الكتابة رديف قوي للثقافة والتطور، لن تحاسب الكتابة كمجرم ينقص من دور المرأة إن هي اختارت أن تمارسها، بل سينعش دورها في الأسرة، ويعمل على إيجاد أجيالاً واعية مثقفة، متسلحة بالعلم والمعرفة، معتادة على أن يأخذ كل فرد بالعائلة دوره المنوط به بغض النظر عن جنسه .
هذا جانب من جوانب الاضطهاد التي تمارس على المرأة، دون ضجيج أو ضوضاء، ودون أن يلتفت أحد لما تتعرض له التي منعت من استخدام حقها بممارسة ما تريد وما ترغب، وما تجد نفسها فيه بشكل كبير، سواءً كانت كتابة، أو أي نوع من أنواع الإبداع الأخرى التي قد تجد نفسها فيها .
مشكلة ربما لا يسلط عليها الضوء بشكل كافٍ، ولا تأخذ حقها من العرض كمشكلة قائمة تتعرض لها الكثير من النساء، لا لسبب إلا لأن البعض ما زال يعتبر أن هذا يتعارض مع كونها زوجة وأم وربة بيت، أو أنه يعتبر من وجهة نظر البعض نوعاً من الترف تمارسه المرأة لملء وقت الفراغ، لا دور له لاحقاً إن تحولت لزوجة وأم !!
كانت صديقة لنا في عالم التدوين، تمتلك قلماً مميزاً جداً، وفكراً ناضجاً، سعدنا بوجودها ونحن الذين نحاول أن نركز على نشر وعي نسائي، يتجاوز حدود جسد المرأة وجمالها الخارجي، لنظهر عقلها وحجم المعرفة والوعي الذي يجب أن تظهر به، وسط عالم افتراضي يعج بالراغبات والراغبين من الجنسين بالتركيز على بقاء الدور النمطي لصورة المرأة، كما هي أو كما يريدون لها أن تبقى، أنثى .. مغناج ..( غارقة في الحرملك ) تجيد استخدام أنوثتها لتبقى قبلة " سي السيد " الباحث عمن ترضي ذكورته، وتبقى هي ركيزة الكون الجمالية الباحثة عمن يرضي غرورها !! ... كانت كما أسلفت تمتاز بفكر ووعي وحضور قوي، كنّا نتابع كل ما تأتي به بفخر واعتزاز بوجودها الرافع من سوية التدوين والأقلام النسائية الجادة، بعد شهور عدة، افتقدنا تواجدها، وقد ظنناها في فترة استراحة من عالم التدوين، طال غيابها، وبعد مدة من الزمن، لم نجد لها آثراً، وقد قامت بحذف المدونة، وعندما اتصلنا بها وجدناها تقول صراحة : " تزوجت وزوجي يرفض أن أستخدم النت ويرفض أن أمارس الكتابة " .. هكذا بكل بساطة تطفأ شمعة كانت ستنير في عالم المرأة وتؤسس مع أخريات لأدب نسائي راقٍ وفكر إنساني حر يدحض ما يردده البعض عن عدم قدرة المرأة على مجاراة الرجل في الفكر والعقل
هذا نموذج من عدة نماذج نصادفها كل يوم، نقرأ عنها، أو يأتينا بأخبارها من يعرف بعض هذه النماذج عن كثب، لا يرتبط الأمر بهاوية تمارس الكتابة في العالم الافتراضي، أو باحثة عن ملاذ لتنشر فيه بعض ما قد تبدعه، بل يتعداه أحياناً ، لكسر أقلام أخذت فرصتها من الشهرة والتواجد في المجال الأدبي الإبداعي .
ليس تجنياً على أحد، ولكن عندما تخيّر الكاتبة بين الكتابة والطلاق، فهذا هو الإجحاف بأم عينه، أو أن تخير بين الزوج والبيت وبين الكتابة، وكأن كتابتها ستلغي دورها كأم أو تصادر من الزوج بعض حقوقه !!
الكتابة رديف قوي للثقافة والتطور، لن تحاسب الكتابة كمجرم ينقص من دور المرأة إن هي اختارت أن تمارسها، بل سينعش دورها في الأسرة، ويعمل على إيجاد أجيالاً واعية مثقفة، متسلحة بالعلم والمعرفة، معتادة على أن يأخذ كل فرد بالعائلة دوره المنوط به بغض النظر عن جنسه .
هذا جانب من جوانب الاضطهاد التي تمارس على المرأة، دون ضجيج أو ضوضاء، ودون أن يلتفت أحد لما تتعرض له التي منعت من استخدام حقها بممارسة ما تريد وما ترغب، وما تجد نفسها فيه بشكل كبير، سواءً كانت كتابة، أو أي نوع من أنواع الإبداع الأخرى التي قد تجد نفسها فيها .
المرأة في ميزان المرأة !!
مقابل ألف امرأة ممن يتنطع دعاة حقوق المرأة بأنهن أخذن حقوقهن وتبوأن أعلى المناصب، يوجد ما يقارب الثلاثة ملايين يعشن في ظل ظروف لم تتغير منذ عقود، قتل شرف ... زنا محارم ... اضطهاد وتهديد بالطلاق، مصادرة حقوقهن المالية.
وتخرج لنا المنظمات النسائية بشعارات لمساعدة المرأة على التسول المبطن، وللأسف أغلب المنتسبات يبحثن عن تلميع صورهن الخاصة عبر المتاجرة بقضية المرأة !! أجزم أن أكثرهن يعشن ازدواجية قاتلة، تقوم بتربية " سي السيد " الصغير في البيت وتمتهن كرامة بناتها باسم ذكورة الوريث الذكر، وتخرج للعلن لتعلن بأنها تدعم المرأة وتوفر لها فرص الحياة الكريمة !!
والجريمة الكبرى أن تقوم بعض المثقفات ومدعيات الكتابة بتحويل قضية المرأة لموضوع تستمد منه حرفها لتبني لنفسها مجداً على أعتاب من وجدن أنفسهن عالقات في عهدة عصر أبوي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنال المرأة، فتراها تارة تكيل المديح للمرأة باسم أنوثتها وحسب ما تنوي أن تكتبه، وتارة أخرى تفتح عليها النار، كونها الأعلم والأقدر على الخوض بموضوعات المرأة باسم تكليف رباني ووحي لا نعلم متى اصطفاها الله لينزله عليها دون بقية النساء !!
سنكون في قمة الغباء، ولن نختلف عن النعامة كثيراً إن انجرفنا في ذلك التيار الذي، تسير فيه سيدات يبحثن عن إثبات النفس بفردية وغرور، يكشف عورات تربية استحكمت فينا عبر سنوات طويلة، الوعي الجمعي ليس بصعب ولا مستحيل، إن تركنا الأنانية وتصرفنا من منطلق واثق بأن للمرأة كل الحق بأن تعيش حياتها كما يجب، بعيد عن منظومة معقدة من العادات والتقاليد لا أعرف أتعود لأصل "الحرملك التركي " أو لتحريف واضح لما أنزله الله سبحانه في محكم تنزيله وبعيداً عن تنظيرات تلك النسوة سواءً كن من التابعات لتجمعات نسوية أو المتفردات ببناء مجدهن الشخصي على أنقاض " حق المرأة " فليتركن المرأة تختار طريقها وفق رؤيتها وما تمكنها منه المعطيات حولها، مسترشدة بإنسانيتها وما خلقه الله فيها من صفات تؤهلها لتكون إنسانة كاملة ( وما أقره الله لها من شرعه ) ، ولها من القدرات العقلية ما لهن .
لا تختلف هذه الصور النسائية عن تلك التي تتحفنا بها الفضائيات لنساءٍ امتهن تجارة الجسد باسم الحرية وتعرت لتسوق منتج أو تحصل على دور في مسلسل يهبط بذائقتنا ويكرس الصورة النمطية للمرأة اللعوب التي لا تجيد غير المكائد والغنج !! هنا سواء من حيث مبدأ المتاجرة باسم النساء، لا فرق إلا في طريقة العرض ونوع البضاعة .
على من تقع مسؤولية تلميع مرأة واحدة على حساب قبيلة من النساء ؟؟ أعلى المجتمع أم على المرأة نفسها ؟ وكيف السبيل للخلاص من هذا الزيف الذي استشرى بمجتمعنا، ليزيد وضع المرأة صعوبة ويعيد قضيتها للدرجة الأولى من السلم وهذه المرة من بنات جنسها وليس من الجنس الآخر .
ينبغي أن يكون هناك وعي لدى النساء، وتحقق من أي منتسبة لأي تجمع نسوي للعمل باسمهن جميعاً، فلا فرق بين هذه وتلك إلا بما توفر للأولى من ظروف داعمة ونفس تواقة للوصول على مبدأ " أنا ومن بعدي الطوفان " وبين صامتة اعتادت أن تنتظر بانهزامية من يقف ليقول باسمها كلمة قد تقتلها قبل أن تنصفها !!
هذا غيض من فيض مما نراه ونسمعه كل يوم من المتشدقات بحقوق المرأة والمطالبات بحقها تحت باب الوصاية التي منحتها هي لنفسها أو منحها إياها تجمع يبحث عمن تملك القدرة على أن تقول ما يريدون لها أن تقول أو تفعل .
وتخرج لنا المنظمات النسائية بشعارات لمساعدة المرأة على التسول المبطن، وللأسف أغلب المنتسبات يبحثن عن تلميع صورهن الخاصة عبر المتاجرة بقضية المرأة !! أجزم أن أكثرهن يعشن ازدواجية قاتلة، تقوم بتربية " سي السيد " الصغير في البيت وتمتهن كرامة بناتها باسم ذكورة الوريث الذكر، وتخرج للعلن لتعلن بأنها تدعم المرأة وتوفر لها فرص الحياة الكريمة !!
والجريمة الكبرى أن تقوم بعض المثقفات ومدعيات الكتابة بتحويل قضية المرأة لموضوع تستمد منه حرفها لتبني لنفسها مجداً على أعتاب من وجدن أنفسهن عالقات في عهدة عصر أبوي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنال المرأة، فتراها تارة تكيل المديح للمرأة باسم أنوثتها وحسب ما تنوي أن تكتبه، وتارة أخرى تفتح عليها النار، كونها الأعلم والأقدر على الخوض بموضوعات المرأة باسم تكليف رباني ووحي لا نعلم متى اصطفاها الله لينزله عليها دون بقية النساء !!
سنكون في قمة الغباء، ولن نختلف عن النعامة كثيراً إن انجرفنا في ذلك التيار الذي، تسير فيه سيدات يبحثن عن إثبات النفس بفردية وغرور، يكشف عورات تربية استحكمت فينا عبر سنوات طويلة، الوعي الجمعي ليس بصعب ولا مستحيل، إن تركنا الأنانية وتصرفنا من منطلق واثق بأن للمرأة كل الحق بأن تعيش حياتها كما يجب، بعيد عن منظومة معقدة من العادات والتقاليد لا أعرف أتعود لأصل "الحرملك التركي " أو لتحريف واضح لما أنزله الله سبحانه في محكم تنزيله وبعيداً عن تنظيرات تلك النسوة سواءً كن من التابعات لتجمعات نسوية أو المتفردات ببناء مجدهن الشخصي على أنقاض " حق المرأة " فليتركن المرأة تختار طريقها وفق رؤيتها وما تمكنها منه المعطيات حولها، مسترشدة بإنسانيتها وما خلقه الله فيها من صفات تؤهلها لتكون إنسانة كاملة ( وما أقره الله لها من شرعه ) ، ولها من القدرات العقلية ما لهن .
لا تختلف هذه الصور النسائية عن تلك التي تتحفنا بها الفضائيات لنساءٍ امتهن تجارة الجسد باسم الحرية وتعرت لتسوق منتج أو تحصل على دور في مسلسل يهبط بذائقتنا ويكرس الصورة النمطية للمرأة اللعوب التي لا تجيد غير المكائد والغنج !! هنا سواء من حيث مبدأ المتاجرة باسم النساء، لا فرق إلا في طريقة العرض ونوع البضاعة .
على من تقع مسؤولية تلميع مرأة واحدة على حساب قبيلة من النساء ؟؟ أعلى المجتمع أم على المرأة نفسها ؟ وكيف السبيل للخلاص من هذا الزيف الذي استشرى بمجتمعنا، ليزيد وضع المرأة صعوبة ويعيد قضيتها للدرجة الأولى من السلم وهذه المرة من بنات جنسها وليس من الجنس الآخر .
ينبغي أن يكون هناك وعي لدى النساء، وتحقق من أي منتسبة لأي تجمع نسوي للعمل باسمهن جميعاً، فلا فرق بين هذه وتلك إلا بما توفر للأولى من ظروف داعمة ونفس تواقة للوصول على مبدأ " أنا ومن بعدي الطوفان " وبين صامتة اعتادت أن تنتظر بانهزامية من يقف ليقول باسمها كلمة قد تقتلها قبل أن تنصفها !!
هذا غيض من فيض مما نراه ونسمعه كل يوم من المتشدقات بحقوق المرأة والمطالبات بحقها تحت باب الوصاية التي منحتها هي لنفسها أو منحها إياها تجمع يبحث عمن تملك القدرة على أن تقول ما يريدون لها أن تقول أو تفعل .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)