الأربعاء، 17 أغسطس 2016

عليك بالطبخ لتتخلصي من عسر الحنين


رائحة المعقم النفاذة التي تنتشر أثناء مسح الأرض، تذكرني بالمستشفيات في العادة! ومع ذلك أداوم على استخدامها في تحدٍ صارخ لمشاعري.
حسناً؛ ها أنا أمسح أرض المطبخ للمرة العاشرة، بفارق خمس دقائق بين الجولة والأخرى؛ لست خائفة من انتشار الأمراض الجسدية، كل ما أفعله هو أنني أذيب الدهون العالقة في مجرى الذاكرة ، أعالج الكآبة والحنين بتسديد لكمة قوية لهما، بإغراق جسدي بالتعب؛ التعب غير اللذيذ.
في نهاية كل جولة، يبدأ قلبي بالخفقان، وجسدي في التعرق، أقول لنفسي: ها أنت قد وصلت، لقد حللت عقدة الذاكرة بإرهاقها، فأشهق نفساً طويلاً، ثم لا ألبث إلا ثوان حتى تعيد الذاكرة بثها على موجة أعلى من السابقة، يتسلل البرد لجسدي المتعّرق وينخفض النبض لأسوء حالاته.
أعيد الكرة مرة أخرى، وأنا على يقين من قدراتي الهشة؛ أعيد الكرة وأنا على يقين من أنني أضعف من أن أكسر عصا الحنين، عظامي فقط هي ما يتكسر من انحناءتي المتكررة في حربي مع النسيان.
في كل مرة تدخل فيها منزل امرأة وتتسرب لأنفك رائحة المعقم، لا تتعب نفسك بالبحث عن الضيوف إن شككت في وجودهم، ولا تقل بينك وبين نفسك : "اووه ما أشد نظافة هذا المنزل وصاحبته"، عليك فقط أن تبحر في عينيها، إن وجدت لذلك سبيلا ، لتتعرف على نوع الحنين الذي حولها لـ"سيزيف"!
في حكم المحفوظ أنها لن تمكنك من اختراق تلك المنطقة، ستشيح بوجهها عنك، وتهش في وجهك وتكثر من افتعال الضحك... الضحك الذي يدفع العينين للإغماض على ما فيهما!
لا تصدقوا النساء، كل ما يحصل أنهن يدفن أجسادهن في العمل؛ لعدم القدرة على دفن الرأس، أو وسوسة العقل لهن، وحدها قلوبهن تجاوزها الزمن وأُغلقت على غبار آخر خطوات الأحبة وهم يوصدون الباب بقوةٍ خلعت مساميره، وأبقت على بقايا خشب هش، ما أن يستندن بعد الانتهاء من أعمالهن الشاقة عليه، حتى ينهار محدثاً ضجة، ويعلو الصراخ كأنما هو همهمات أهل مصاب بحالة خطرة يحاولون أن يسعفوه عنوة من قدره المحتوم، و تفوح رائحته تماماً مثل رائحة المستشفى.
كوني واقعية للتخلص من عسر الحنين عليك الإقرار أولاً بأنه حالة مرضية، وتتشابه أعراضه تقريباً مع عسر الهضم لولا أن الثاني أخف وطأة، وله علاجات دوائية؛ حبوب تخلصك من عسر الهضم وتفرغ ما سبب لك هذا الاضطراب.
حسناً الخطوة الأولى: لا علاج كيميائي للحنين وعسره، فقط بعض التفاصيل الصغيرة، ربما تطيّر وقتك الفارغ حقيقيةً، الممتلئ مزاجاً بمشاعرك المضطربة.
الخطوة الثانية: تخلصي من روايات "أحلام" تماماً كما فعلت وأنت في سن المراهقة مع روايات عبير عندما اصطدمت بأول خيانة بريئة، عندما حوّل الشاب الذي ينتظرك على باب المدرسة وكان يأكل تضاريس وجهك بعينه،- وهو لا يعلم أنك تعيشين معه قصة حب خيالية سرية، وقد تماديت فيها لدرجة أنك منحته قبلة وسرقت من رائحته كمشة ووضعتها في تلافيف مخيلتك لتعتاشي عليها زاداً لأحلام اليقظة، ويباس المحيط وعقول المحيطين بك - بالنظر لصديقتك التي كانت تشبهك في البحث عن قصة حب خيالية ترضي طموح مراهقة شرهة للحب وللتجربة الأولى، رغم سوء المنقلب لمن ضبطت تهذي بأحلامها، وآثار الصفعة على خدها الأيمن إن غلبها الحلم وفضحها.
التخلص من الروايات سيجنبك الوقوع في أفخاخ المراهقة المتأخرة وأنت المصابة بداء الحنين وعسره.
الخطوة الثالثة: عليك بالطبخ؛ لا تستغربي! فقد ثبت عربياً أن "الطريق لقلب الرجل معدته" وطالما كان الطعام طريقاً للقلب فالأولى به أن يكون طريقاً لعلاج "عسر الحنين" ولأثبت لك هذا الأمر عليك بتجريبه في طبخة سهلة حريفة، تساعدك على ذرف الدموع بسخاء وتفتح في المقابل شهيتك لالتهام المزيد منها، كلما راودك الحنين عن نفسه.
المقادير: ثلاث حبات من البندورة الحمراء الناضجة، خمسة فصوص من الثوم المدقوق جيداً، لا تحاولي تقطيع الثوم بالسكين، سيفقد مقدرته على التأثير النفاذ لحواسك، قرن من الفلفل الأخضر الحار، زيت زيتون، ومقلاة لا تحبينها كثيراً وتودين لو أنها تحترق لتتخلصي منها؛ دون شعور بالذنب!
ضعي الثوم المدقوق على الزيت إلى أن يتحول إلى اللون الذهبي، تماماً مثل قلبك قبل سنوات عندما عشت الفترة الذهبية، وأنت تختالين كعاشقة ومعشوقة، أضيفي للثوم الذهبي الحار الذي قمت بتقطيعه لقطع صغيرة متعمدة أن تصل حرقته لرؤوس أصابعك العشرة، لمساعدتك لاحقاً على القفز والشتم والسب، من أثر الحرق المعنوي الذي طال روحك بعد أصابعك!
بعد هذا قومي بوضع البندورة التي قطعتها على شكل دوائر لتحترق أسرع... أقصد لتنضج أسرع متحولة من حمراء لحمراء موشحة بالبني والأسود.
الخطوة الأخيرة: جهزي المائدة، دون شموع، مملحة صغيرة لتختاري كمية الملح التي تناسب حالتك المزاجية، تجنبي إضافة كرسي آخر للمائدة، فقط كرسي واحد ليذكرك بأن وحدتك أزلية، وإن أحببت تعزية نفسك بإمكانك استغلال قدراتك الخيالية، بتصور أن هناك في مكانٍ ما من العالم يجلس رجل يمارس طقوسك كاملة، يعاني الخيبة التي تعانينها، ويعالج عسر الحنين أيضاً، هكذا تحلين جزءًا من خيبتك المعتملة في نفسك، وتتوجهين بعدها مقبلة لتناول وجبتك.


الجمعة، 5 أغسطس 2016

هواجسُ مُسَرَّبةٌ

لمْ تساعدْني جرأتي على الاحتجاج، فالقوانينُ صارمةٌ وحسبَ ما قالَ لي مديري في العمل: وُضعتْ القوانينُ لتطبقَ، وليس لتخترقَ! كتمتُ غيظي، ولمْ أجادلْه بشأنِ زميلي في العملِ الذي صرفوا له ربطةَ عنقٍ وفقاعة.
عدتُ للبيتِ وأنا أندبُ حظي كوني مضطراً لحملِ الأنبوبِ البلاستيكيِّ على ظهري طَوال الوقت، فما أكسبُه بالكادِ يكفي للمصاريفِ الخاصَّةِ ولتعبئةِ الأنبوبِ، وجدتُ زوجتي تستقبلني وقد أعدَّتْ بعضَ الطَّعام، تناولتُ الطَّعام، وجلسنا لنتابعَ التِلفاز قليلاً، فالكرتُ الذي يشغلُه قد اقتربَ من النَّفاد، ويجبُ أنْ أعيدَ شحنَه، ولا مجالَ لهذا إلا بالاقتصادِ في المشاهدةِ، واقتصارها على أوقاتٍ لا تتجاوزُ نصفَ السَّاعة يومياً، والذَّنبُ ذنبُ زوجتي بصراحةٍ؛ فقد أسرفتْ في استخدامِ الكرت الشَّهرَ الماضي.
حملتُ أنبوبي وتوجهتُ للخارج، فالشَّارع خفّ فيه الازدحامُ منذُ بدأَ صرفُ الأنابيبِ والفقاعات، وانتظمت الحركة، فلم يعدْ هناك وجودٌ للباعةِ المتجولين ولا للمتَّسولين، هذه الحسنةُ الوحيدةُ التي جنيناها من وراءِ القرار.
سرتُ على الرَّصيفِ لا أنوي التوجهَ لمكانٍ محددٍ، فقط أسيرُ وأحيي المارةَ بإيماءةٍ من رأسي أو بتلويحةٍ من يدي، فمنذُ بدأنا في استخدامِ الأنابيبِ والفقاعاتِ ونحن لا نتحدَّثُ بتاتاً، فالكلامُ يعني نزعَ الأنبوبِ، ونزعُ الأنبوبِ يعني الموتَ المحتَّمَ، لم يكنْ يغيظني في هذا الأمرِ إلا أصحابُ الفقاعاتِ، يسيرون بغرورٍ وعنجهيةٍ وسطَ الشَّارعِ، ويبتسمون بطريقةٍ تثيرُ الحنْقَ، حتى هذه المسألة لا عدلَ فيها بتاتاً، نحنُ نغطّي الفمَ والأنفَ بالجهازِ حتى يصلَ ما في الأنبوبِ لنا، وهم يسيرون بكلِّ صلفٍ داخلَ الفقاعاتِ، وربطاتُ العنقِ تتمايلُ متدليةً من رقابِهم العريضةِ المكتنزة. 
القرار كان حازماً وصريحاً، وجلبَ معه الكثيرَ من العاداتِ والتغييراتِ التي بدأتْ تحلُّ ما كانَ سابقاً، لم يعدْ اللباسُ مهما، فبتنا نخرجُ من بيوتنا عراةً، باستثناءِ ربطاتِ العنقِ للرّجالِ و النّساءِ الذين يسيرون في فقاعاتٍ دلالةً على مكانتِهم الاجتماعية، وما تبقَّى لا يضعْ شيئاً، وهذا دفعني للاحتجاجِ أكثرَ منْ مرةٍ، وفي كلِّ مرةٍ أُواجَهُ بالإجابةِ نفسِها:
هذه هي القواعدُ.
بينما أنا أسيرُ في الشَّارعِ على غيرِ هدى، سمعتُ صراخاً وهذا أغربُ ما حدثَ لي، حيثُ أطْبقَ الصَّمتُ على المدينةِ منذُ اُتخِذَ قرارُ بيعِ الهواءِ، سمعتُ أحدَهم يقولُ قبلَ أنْ يسقطَ ميتاً بعدَ أنْ نُزعَ الأنبوبُ: 
- سيبدأون الأسبوعَ القادمَ في حجبِ الشَّمسِ لبيعها حصصاً حسبَ الدَّخل والحاجة.
صدَمني ما قالَه مثلما حصلَ مع المارَّةِ، فنزعْنا الأقنعةَ والأنابيبَ، وبدأنا في الصُّراخ معه.

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

مقتطفات ... الصداقة


كلما غادر صديق مساحته في حياتنا أيقنت بأن هذه الـ " سنتميترات " التي أوجدها غيابه ستعيد ترتيب البيت الداخلي وتفسح المجال للحركة الحرة.
كلما غادر صديق أقفلنا الباب خلفه وكسرنا المفتاح، حتى وإن عاد بعدها لن يجد غير الحياد مكاناً له !


******


سنغيب؛ سنعتب كثيراً
ستغيب؛ ستعتب كثيراً
ثم تنطفئ شعلة العتاب، ونغيب، وتغيب ولا عتاب على قدرة المحبة
ولا محبة .


*******

ذات طفولة كانت تقوم البلدية برش مبيد حشري في الشوارع والحارات، رائحة هذا المبيد تشبه إلى حد كبير رائحة فاكهة " الجوافة " وإن كانت أكثر نفاذاً منها، ولأنني أحب الجوافة منذ الصغر استطعت أن أفصل بين الرائحتين، ولم أرتكب جريمة فيما أحببت لأنه تشابه مع شيء قاتل أو مقرف على أقل تقدير، لليوم ما زلت أملك القدرة على الفصل بين الأمور وإن تشابهت في أكثر من نقطة!

********


الضمائر التي أدخرناها لليوم الأسود؛ بيع نصفها في المزاد العلني، والنصف الآخر ما زال في السوق السوداء يدلل عليه الباعة بأسعار عالية؛ معللين : بأن هذا ما تبقى !

********

كلما اشتدت الريح رفعت النخلة رأسها وبسطت أوراقها لتستر عريّ القمر

********

إلى أين يذهب شخص مخادع عندما لا يجد من يخدعه؟
يعود إلى دياره !
من الفيلم الأجنبي " رائحة النجاح "


*********



أحرص كثيراً على أن لا أخسر أي من أصدقائي - ما لم يحتكم للصورة الافتراضية فقط - ويلغي حقيقة أن الواقع ليس هنا وإن كان هنا يشبهه حد الالتباس
الأصدقاء عملة غالية وثمينة ولكنها ليست نادرة.
صباح الخير أصدقائي

ما لا يجئ


سنبحر: قال لي وهو يبتسم، جهزي لوازم السفر، وبعض المأكولات الخفيفة، وأغطية 
دافئة

- إلى أين؟ لا ... لا ... كيف سنبحر؟

- لا عليك تدبرت الأمر، وأحضرت القارب

شتتت المفاجأة عقلي؛ لم أفكر إلا في تحضير المطلوب بالسرعة القصوى، بعد أن 
انتهيت خرجت أجر خلفي المتاع، أغلقت الباب وطوحت المفتاح في الهواء، سنبحر للحلم المشتهى لا أحتاج لك ؛ قلت أخاطب البيت وأنا أرمقه بنظرة ساخرة.

وصلت إلى القارب ووضعت فيه المتاع، حضنت يد عدنان وجلسنا سوية على سفح 
الجبل، ننتظر قدوم البحر. 

19/2/2015

مقتطفات / حياة


يجرُ الكلام الكلام
أسقطناه من أعلى الشجرة طازجاً طرياً، ووقفنا منبهرين من قدرته على الدوران، بين شفاه أخذت ألوانها من الكون، سمراء، حمراء، زهرية، باهتة، مصفرة، وأخرى علقت فيها المرارة من لوعة السجائر والقطران.
فردنا الألواح وبدأنا في تشريح ما أسقطنا بمبضع حاد اللسان.
أذبنا الحواشي، نشرنا موسيقى الحرب والسلام، ووقفنا خلف طابور الساعين للأعلى حيث لا يجازى بالكلام إلا الكلام، والمقايضة تفتح الباب ليهرب من أعلى الشجرة البوم حيث التُهم تطاله بتشاؤمنا وقلة حيلتنا، عندما لا نجد ما نفرغ فيه حمولة الخوف نسرع للطير وإن كان البوم ليس أخر الضحايا وقبله الغربان

******
حرية التعبير : أن لا تصفعك ردة فعل أصدقائك إن عبرت عن رأيك الشخصي!
المجاملة : أن تصمت إكراماً لهم !

******

الطريق التي تأخذك منك إليك
الطريق التي تلتصق بقدمك لتسير معك
هي طريقك وإن أنكرت


*******

أن تحب: 
يعني أن يحدث تماس ما بين النبض المتدلي من عقلك مع النبض الصاعد من قلبك في تلك المنطقة الممتلئة بالماء، فتسري الرعشة في شرايينك دون تمثيل دور العاشق، ويضيء وجهك دون الحاجة لكهرباء

*******

اكتمال
الخيارات كثيرة إذا استثنينا فرص الحب، الزواج، الإنجاب والعمل:
قالت تحدث نفسها وهي تمسح نصل السكين بقطعة ثوم، وتوازن الحبل المتأهب على شكل وردة تنتظر الاكتمال على حافة النافذة، وكأس العصير المفخخ يراودها عن نفسه .


********

سألتها : ما جدوى المرآة يا صديقتي ؟
قالت: نخفي خلفها عيوبنا ونبتسم للغبش

*******

قالوا : الصمت عبادة
قلت : والكلام إذ يرتطم بلؤم الصمت وينثر رماده
قالوا : ما هكذا ورد في الأثر
قلت : والحياة ما وردت في الأثر إلا بالكلام
ألسنا ورثة " الحكائين " منذ شهرزاد والكلام المباح!

********

في الصور سيغيب أحد ما يوماً، ستبدو الصورة ناقصة تلويحة، أو ابتسامة بهتت دون أن تصل لهدفها، سيبدو الغياب باهتاً، والحائط مائلاً، والصور تتناسل بتكرار النقصان.

********




هل أديتَ لها حقها؟
حق من؟
ذاكرتكَ طبعاً
لا ... أقصد نعم؛ وإلا ما كنت هنا
في الحقيقة لا أعرف؛ وإلا ما كنت هنا
أنا فقط تركت - هناك - ولا أعرف إن كانت قد حضرت معي

مقتطفات / موت


تباً ؛ أريد أن أتابع السير: قالت للرؤوس التي تسحب قدميها إلى باطن الأرض

*******

لقد تم خداعنا، هكذا ببساطة خدعنا حارس المقبرة وأعاد توزيع القبور بناء على وصية بعض معارفه، فبتنا نحن الذين لا نملك معارف خارج أسوار المقبرة في مهب الريح وعظامنا ترقص فوق التراب من شدة البرد .

******
الصعود للأسفل؛ فكرة أن تكون الحياة مصعد في طريقه من الطابق المئة للطابق الأخير تحت الأرض!

******

بقدمي المبتورة أغلقت باب العام، واحتفظت بالموتى في الغرفة، نفضت الغبار عن ملامحهم، ومسحت وجوههم بالزيت حتى لا يقال: موتاهم باهتون.
فتحت دفاتر الصكوك وبت أوزع عليهم شهادات حسن المظهر والسلوك، ثم أرسلهتم إلى حتفهم مرة أخرى وهم باسمون، وبدأت أجهز الأكفان للموتى الجدد !

******


ماذا سأحمل للموتى معي لتنغيص موتهم و إقلاقهم في قبورهم؟
ماذا سأقول لهم تركت بعدي على أرضٍ تبتلع الأحياء و تقفل باب الحياة في وجوه طالبيها؟
من منكم يتبرع ليكون وسيطاً؛ حتى لا ينقطع حبل الوصل بين ميت وميت!

******

على رؤوس أصابعنا نسير، حتى لا نخدش صمت العالم، ثم يسير العالم بباطن قدمه وبالحذاء على رؤوسنا ونلتزم الصمت،حتى لا نجرح صمت الموت فينا

*******

إطار 
اعترتنا الدهشة عندما استيقظنا صباحاً، بعد الطوفان بقليل، ووجدنا صور ابتساماتنا والشرائط السوداء التي توشح موتانا ملقاة أرضاً بعد أن نزعت المسامير من الجدران.
خارج الشقة كان السكان جميعاً مأخوذين بذات الدهشة بعد أن وجدوا ما وجدنا.
تسلل صوت قهقهة جارتنا المصابة بالعته من الطابق الأرضي يعلو على صوت الدقّ المستمر على الجدران، تسابقنا للنزول بين المصعد والدرج لنستوضح ما يحدث في الأسفل وما أصاب جارتنا.
كان باب بيتها مفتوحاً عندما دلفنا نتراكض: كانت تدقّ المسامير وتعلق عليها جثثاً باسمة ، انتشلتها من الطوفان دون شرائط سوداء!

*******

المشرط يمر بثبات وهدوء، يقطع المنطقة لنصفين بميل ظاهر للجهة اليسرى، تمتد يداً ترتدي القفاز تبعد العظام بثبات هدوء، ثم تمتد الأيدي يعتريها بعض الارتجاف لتخرج القلب من مكانه، بهدوء وثبات أيضاً يقفز القلب من الأيدي ليستقر على الأرض فرحاً بتحرره من القضبان.

*******

الجثث التي تراكمت فوق المقبرة قطعت الأوكسجين عن الأموات، مما قد يتسبب في حالات اختناق جديدة بينهم،؛ هذا ما أوردته وسائل الإعلام اليوم


مقتطفات / حياة




فستق ... فستق ؛ كان البائع ينادي بصوته المموسق
فارغ ...فارغ ؛ لا تغرك الرائحة الشهية : قالت امرأة وهي تضع كيس الفستق في حاوية النفايات!

===


عندما نزعوها عن الجدار كانت ملامح المرأة الوحيدة قد أنطبعت هناك
لم يلمح طيفها أحد بعد أن تحولت المرآة لشظايا.


===



وضعت رأسها بين كفيها وقالت بلامبالاة :
كنت أقايض وجهي بوجهي كلما شعرت بالضيق والعجز، الآن أقايض وجهي بالمرآة وكلما شاخت استبدلتها بأخرى .

===



المناديل المبللة أسفل إطار الصورة المعلقة في زاوية الغرفة؛ للمرأة الوحيدة الناجية من الطوفان فاضت بالدمع، فجرفت المرأة معها نحو الأسفل وأبقت على الإطار ثابتا في الزاوية بدرجة ميلان حادة

===


ماذا تفعل بفائض الوقت؟
أعد الأصابع المبتورة وعندما أنتهي أعود للبحث عن أصابعي بينها.