لمْ تساعدْني جرأتي على الاحتجاج، فالقوانينُ صارمةٌ وحسبَ ما قالَ لي مديري في العمل: وُضعتْ القوانينُ لتطبقَ، وليس لتخترقَ! كتمتُ غيظي، ولمْ أجادلْه بشأنِ زميلي في العملِ الذي صرفوا له ربطةَ عنقٍ وفقاعة.
عدتُ للبيتِ وأنا أندبُ حظي كوني مضطراً لحملِ الأنبوبِ البلاستيكيِّ على ظهري طَوال الوقت، فما أكسبُه بالكادِ يكفي للمصاريفِ الخاصَّةِ ولتعبئةِ الأنبوبِ، وجدتُ زوجتي تستقبلني وقد أعدَّتْ بعضَ الطَّعام، تناولتُ الطَّعام، وجلسنا لنتابعَ التِلفاز قليلاً، فالكرتُ الذي يشغلُه قد اقتربَ من النَّفاد، ويجبُ أنْ أعيدَ شحنَه، ولا مجالَ لهذا إلا بالاقتصادِ في المشاهدةِ، واقتصارها على أوقاتٍ لا تتجاوزُ نصفَ السَّاعة يومياً، والذَّنبُ ذنبُ زوجتي بصراحةٍ؛ فقد أسرفتْ في استخدامِ الكرت الشَّهرَ الماضي.
حملتُ أنبوبي وتوجهتُ للخارج، فالشَّارع خفّ فيه الازدحامُ منذُ بدأَ صرفُ الأنابيبِ والفقاعات، وانتظمت الحركة، فلم يعدْ هناك وجودٌ للباعةِ المتجولين ولا للمتَّسولين، هذه الحسنةُ الوحيدةُ التي جنيناها من وراءِ القرار.
سرتُ على الرَّصيفِ لا أنوي التوجهَ لمكانٍ محددٍ، فقط أسيرُ وأحيي المارةَ بإيماءةٍ من رأسي أو بتلويحةٍ من يدي، فمنذُ بدأنا في استخدامِ الأنابيبِ والفقاعاتِ ونحن لا نتحدَّثُ بتاتاً، فالكلامُ يعني نزعَ الأنبوبِ، ونزعُ الأنبوبِ يعني الموتَ المحتَّمَ، لم يكنْ يغيظني في هذا الأمرِ إلا أصحابُ الفقاعاتِ، يسيرون بغرورٍ وعنجهيةٍ وسطَ الشَّارعِ، ويبتسمون بطريقةٍ تثيرُ الحنْقَ، حتى هذه المسألة لا عدلَ فيها بتاتاً، نحنُ نغطّي الفمَ والأنفَ بالجهازِ حتى يصلَ ما في الأنبوبِ لنا، وهم يسيرون بكلِّ صلفٍ داخلَ الفقاعاتِ، وربطاتُ العنقِ تتمايلُ متدليةً من رقابِهم العريضةِ المكتنزة.
القرار كان حازماً وصريحاً، وجلبَ معه الكثيرَ من العاداتِ والتغييراتِ التي بدأتْ تحلُّ ما كانَ سابقاً، لم يعدْ اللباسُ مهما، فبتنا نخرجُ من بيوتنا عراةً، باستثناءِ ربطاتِ العنقِ للرّجالِ و النّساءِ الذين يسيرون في فقاعاتٍ دلالةً على مكانتِهم الاجتماعية، وما تبقَّى لا يضعْ شيئاً، وهذا دفعني للاحتجاجِ أكثرَ منْ مرةٍ، وفي كلِّ مرةٍ أُواجَهُ بالإجابةِ نفسِها:
هذه هي القواعدُ.
بينما أنا أسيرُ في الشَّارعِ على غيرِ هدى، سمعتُ صراخاً وهذا أغربُ ما حدثَ لي، حيثُ أطْبقَ الصَّمتُ على المدينةِ منذُ اُتخِذَ قرارُ بيعِ الهواءِ، سمعتُ أحدَهم يقولُ قبلَ أنْ يسقطَ ميتاً بعدَ أنْ نُزعَ الأنبوبُ:
- سيبدأون الأسبوعَ القادمَ في حجبِ الشَّمسِ لبيعها حصصاً حسبَ الدَّخل والحاجة.
صدَمني ما قالَه مثلما حصلَ مع المارَّةِ، فنزعْنا الأقنعةَ والأنابيبَ، وبدأنا في الصُّراخ معه.
عدتُ للبيتِ وأنا أندبُ حظي كوني مضطراً لحملِ الأنبوبِ البلاستيكيِّ على ظهري طَوال الوقت، فما أكسبُه بالكادِ يكفي للمصاريفِ الخاصَّةِ ولتعبئةِ الأنبوبِ، وجدتُ زوجتي تستقبلني وقد أعدَّتْ بعضَ الطَّعام، تناولتُ الطَّعام، وجلسنا لنتابعَ التِلفاز قليلاً، فالكرتُ الذي يشغلُه قد اقتربَ من النَّفاد، ويجبُ أنْ أعيدَ شحنَه، ولا مجالَ لهذا إلا بالاقتصادِ في المشاهدةِ، واقتصارها على أوقاتٍ لا تتجاوزُ نصفَ السَّاعة يومياً، والذَّنبُ ذنبُ زوجتي بصراحةٍ؛ فقد أسرفتْ في استخدامِ الكرت الشَّهرَ الماضي.
حملتُ أنبوبي وتوجهتُ للخارج، فالشَّارع خفّ فيه الازدحامُ منذُ بدأَ صرفُ الأنابيبِ والفقاعات، وانتظمت الحركة، فلم يعدْ هناك وجودٌ للباعةِ المتجولين ولا للمتَّسولين، هذه الحسنةُ الوحيدةُ التي جنيناها من وراءِ القرار.
سرتُ على الرَّصيفِ لا أنوي التوجهَ لمكانٍ محددٍ، فقط أسيرُ وأحيي المارةَ بإيماءةٍ من رأسي أو بتلويحةٍ من يدي، فمنذُ بدأنا في استخدامِ الأنابيبِ والفقاعاتِ ونحن لا نتحدَّثُ بتاتاً، فالكلامُ يعني نزعَ الأنبوبِ، ونزعُ الأنبوبِ يعني الموتَ المحتَّمَ، لم يكنْ يغيظني في هذا الأمرِ إلا أصحابُ الفقاعاتِ، يسيرون بغرورٍ وعنجهيةٍ وسطَ الشَّارعِ، ويبتسمون بطريقةٍ تثيرُ الحنْقَ، حتى هذه المسألة لا عدلَ فيها بتاتاً، نحنُ نغطّي الفمَ والأنفَ بالجهازِ حتى يصلَ ما في الأنبوبِ لنا، وهم يسيرون بكلِّ صلفٍ داخلَ الفقاعاتِ، وربطاتُ العنقِ تتمايلُ متدليةً من رقابِهم العريضةِ المكتنزة.
القرار كان حازماً وصريحاً، وجلبَ معه الكثيرَ من العاداتِ والتغييراتِ التي بدأتْ تحلُّ ما كانَ سابقاً، لم يعدْ اللباسُ مهما، فبتنا نخرجُ من بيوتنا عراةً، باستثناءِ ربطاتِ العنقِ للرّجالِ و النّساءِ الذين يسيرون في فقاعاتٍ دلالةً على مكانتِهم الاجتماعية، وما تبقَّى لا يضعْ شيئاً، وهذا دفعني للاحتجاجِ أكثرَ منْ مرةٍ، وفي كلِّ مرةٍ أُواجَهُ بالإجابةِ نفسِها:
هذه هي القواعدُ.
بينما أنا أسيرُ في الشَّارعِ على غيرِ هدى، سمعتُ صراخاً وهذا أغربُ ما حدثَ لي، حيثُ أطْبقَ الصَّمتُ على المدينةِ منذُ اُتخِذَ قرارُ بيعِ الهواءِ، سمعتُ أحدَهم يقولُ قبلَ أنْ يسقطَ ميتاً بعدَ أنْ نُزعَ الأنبوبُ:
- سيبدأون الأسبوعَ القادمَ في حجبِ الشَّمسِ لبيعها حصصاً حسبَ الدَّخل والحاجة.
صدَمني ما قالَه مثلما حصلَ مع المارَّةِ، فنزعْنا الأقنعةَ والأنابيبَ، وبدأنا في الصُّراخ معه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق