صوت الريح المتسلل من الخارج، يستبيح حرمة الهدوء بتحريك كل ما من شأنه أن يثير مشاعر شتى، ويتسلل بكل قوته إلى أقبية الذكريات فينفض عنها غبار النسيان، ويمدها بنور كافٍ لتحيل حياتها إلى لحظات عسيرة.
صوت أمها يتسلل خافتاً من خلال أزيز بابٍ حركته الريح كأنه يفتح على مصراعيه
- ” الله يرضى عليكِ يا ابنتي”
- “آمين يا أمي كم أحتاج لرضا رب العالمين”.
تجيب الريح التي ما فتأت تتلاعب في حركة الأبواب والنوافذ، لتحيل الصمت الرهيب لحركة رعبٍ موحية بأن لصوص العالم تقتحم تلك المساحة المستباحة من الرياح المقفلة بأقفال بعضها تساقط قدماً، وبعضها تساقط سهواً في حالة عارضة، وبعضها ما زال يحكم قبضته على الباب ولا يمرر أحداً إلا بإذن مسبق .
تشرع الريح في نبش ما استباحت من أقبية الذكرى محدثة جلبة وضوضاء، تفوق صوت حركة الأبواب والنوافذ التي تصفر وتصفق وتتحرك كما لو كانت عبداً مأموراً لتلك الرياح القادمة عنوة بلا تصريح ، تكدست الذكريات بعضها نبشت عنه الريح من أدراج النسيان القصية، وبعضها كانت تحاول هي طمره في محراب النسيان، والبعض كان مقيماً أزلياً، عصياً على الدخول للقبو خوفاً من تركها تعاشر حياة لا ذكريات قاتلة فيها، ولا ضجيج يثيرغثيانها باستمرار! موحياً لها بأن لا مفر سقطتِ في براثن ذكرى لا ترحم ولا تُمحى.
يال لعويل الريح! كم يوحي لها بأن النهاية باتت على مسافة صمت قصيرة ، وأن الهدوء المنشود قد اعتلى صهوة جواد جامح فر في معركة غير متكافئة، وتركها تلعق جراح الذكرى بلسان تشظى من هول خشونة تلك الذكريات.
- ” سأعود قريباً، لأوفي بعهدي لك يا حبيبة “
تسلل صوت والدها الجهوري متحدياً أزيز الباب.
- لن تعود يا أبي، أعلم بأنك لن تعود فما غادر أحدٌ صوب جهتك التي غادرت لها وعاد، قالت تجيب صوته المرسوم في نبض الذاكرة كصوتٍ لا يدانيه صوت في الجمال والعذوبة .
ما زال صوت الريح يعلو ويعلو، وكأنه عواء ذئابٍ جائعة، جاءت خصيصاً لتلتهمها كوليمة يتيمة بعد جوعٍ مزمن نخر أمعدتها، وتركها تبحث عن أي لقيمة تستر بها تلك النخور.
- أعطني يدك يا أبي، انتشلني من هذه النهاية المؤلمة، خذني إليك بيضاء نقية، دعني أغتسل بماءٍ صب من طهارة السماء، لم تلمسه يد ولا حط على رأسٍ عاصٍ.
ما عاد صوت الوالد يتسلل مع الريح، وصوت الأم ذهب باتجاه آخر ربما يستحق الدعاء أكثر، والذكريات تراكمت أمامها كأسراب الجراد يغزو حقلاً ويحوله ليباس بعد خضرة كانت تسر عين الناظر وتبشر بمواسم خصب.
يتسرب لأذنها في تلك اللحظة صوت قريبة كانت تقول لها دوماً : إن لم تستطيعي مقاومة الجراد ما عليك غير أن تشعلي النار وتقومي بشيّه وهو حي.
- ولمَ لا، قالت وهي تقاوم أسراب الجراد؟!
نهضت مسرعة لتغافل أسراب الجراد قبل أن تنقض على ما تبقى في حقلها من خضرة، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق، والصحف القديمة وأشعلتها في سربٍ من الجراد لا يراه غيرها، ارتفعت ألسنة النار، وامتد الدخان لخارج الغرفة متجاوزاً ذلك القبو المتأرجح في علية عقلها، أحست بالخطر الشديد، حاولت الهرب، أطبق عليها سرب جراد من جهة الشمال وقبسٍ من نار من صوب الجنوب، فسقطت تنتظر المصير المحتوم .
- مهلاً سيدتي، من قال لك بأني أرغب في الموت؟ وبالذّات وحرقاً؟!!
- لا يفترض بك أن تحدثني بعد أن انتهيت من السرد ووضعت النهاية التي وجدت أنها تليق بالأحداث وتسلسلها
- نهاية ؟؟ ألا تلاحظي سيدتي بأن الموت أصبح النهاية الحتمية لقصصك؟ وأنك تقصدين موت البطلة الأنثى في نهاية المطاف ؟ أهي حقاً متطلبات القصة أو أنك صاحبة القرار، وتتلاعبين في النهاية حتى تتوافق مع مزاجك الشخصي ؟؟
- لا مزاج شخصي في مجريات الأحداث والنهاية غالباً تأتي من سياق السرد
- حسناً ….اسمحي لي هنا أن أغير النهاية وأضعها أنا كما اشتهي أن تكون لا كما تريدين أنت.
- حســـــنا لــــــك ذلــــك.
نهضت مسرعة تغافل أسراب الجراد؛ كيما تغافل ما تحفل به ذاكرتها من ذكريات جميلة، وتعمل على إحالتها ليباس، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق والصحف القديمة، وفي زاوية بعيدة عنها أشعلت النار، التهمت النار أسراب الجراد وهي تراقبها بحذر، بفرحة منتصر بفوزٍ عظيم عادت لمكانها الأول، لملمت ما تبقى من شتات القبو وأعادتها للقبو وأغلقت عليها، عمدت إلى جهاز التلفاز ووضعت المؤشر على محطة تلفزيونية تتابع برامجها، رفعت مؤشر الصوت لدرجة عالية تحجب عنها عويل الرياح، وما تثيره من أصوات تفزعها، تناولت رواية كانت بصدد قراءتها سابقا، جلست باسترخاء وهدوء، استعادت سكينتها، شعرت بأنها تولد من جديد.
صوت أمها يتسلل خافتاً من خلال أزيز بابٍ حركته الريح كأنه يفتح على مصراعيه
- ” الله يرضى عليكِ يا ابنتي”
- “آمين يا أمي كم أحتاج لرضا رب العالمين”.
تجيب الريح التي ما فتأت تتلاعب في حركة الأبواب والنوافذ، لتحيل الصمت الرهيب لحركة رعبٍ موحية بأن لصوص العالم تقتحم تلك المساحة المستباحة من الرياح المقفلة بأقفال بعضها تساقط قدماً، وبعضها تساقط سهواً في حالة عارضة، وبعضها ما زال يحكم قبضته على الباب ولا يمرر أحداً إلا بإذن مسبق .
تشرع الريح في نبش ما استباحت من أقبية الذكرى محدثة جلبة وضوضاء، تفوق صوت حركة الأبواب والنوافذ التي تصفر وتصفق وتتحرك كما لو كانت عبداً مأموراً لتلك الرياح القادمة عنوة بلا تصريح ، تكدست الذكريات بعضها نبشت عنه الريح من أدراج النسيان القصية، وبعضها كانت تحاول هي طمره في محراب النسيان، والبعض كان مقيماً أزلياً، عصياً على الدخول للقبو خوفاً من تركها تعاشر حياة لا ذكريات قاتلة فيها، ولا ضجيج يثيرغثيانها باستمرار! موحياً لها بأن لا مفر سقطتِ في براثن ذكرى لا ترحم ولا تُمحى.
يال لعويل الريح! كم يوحي لها بأن النهاية باتت على مسافة صمت قصيرة ، وأن الهدوء المنشود قد اعتلى صهوة جواد جامح فر في معركة غير متكافئة، وتركها تلعق جراح الذكرى بلسان تشظى من هول خشونة تلك الذكريات.
- ” سأعود قريباً، لأوفي بعهدي لك يا حبيبة “
تسلل صوت والدها الجهوري متحدياً أزيز الباب.
- لن تعود يا أبي، أعلم بأنك لن تعود فما غادر أحدٌ صوب جهتك التي غادرت لها وعاد، قالت تجيب صوته المرسوم في نبض الذاكرة كصوتٍ لا يدانيه صوت في الجمال والعذوبة .
ما زال صوت الريح يعلو ويعلو، وكأنه عواء ذئابٍ جائعة، جاءت خصيصاً لتلتهمها كوليمة يتيمة بعد جوعٍ مزمن نخر أمعدتها، وتركها تبحث عن أي لقيمة تستر بها تلك النخور.
- أعطني يدك يا أبي، انتشلني من هذه النهاية المؤلمة، خذني إليك بيضاء نقية، دعني أغتسل بماءٍ صب من طهارة السماء، لم تلمسه يد ولا حط على رأسٍ عاصٍ.
ما عاد صوت الوالد يتسلل مع الريح، وصوت الأم ذهب باتجاه آخر ربما يستحق الدعاء أكثر، والذكريات تراكمت أمامها كأسراب الجراد يغزو حقلاً ويحوله ليباس بعد خضرة كانت تسر عين الناظر وتبشر بمواسم خصب.
يتسرب لأذنها في تلك اللحظة صوت قريبة كانت تقول لها دوماً : إن لم تستطيعي مقاومة الجراد ما عليك غير أن تشعلي النار وتقومي بشيّه وهو حي.
- ولمَ لا، قالت وهي تقاوم أسراب الجراد؟!
نهضت مسرعة لتغافل أسراب الجراد قبل أن تنقض على ما تبقى في حقلها من خضرة، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق، والصحف القديمة وأشعلتها في سربٍ من الجراد لا يراه غيرها، ارتفعت ألسنة النار، وامتد الدخان لخارج الغرفة متجاوزاً ذلك القبو المتأرجح في علية عقلها، أحست بالخطر الشديد، حاولت الهرب، أطبق عليها سرب جراد من جهة الشمال وقبسٍ من نار من صوب الجنوب، فسقطت تنتظر المصير المحتوم .
- مهلاً سيدتي، من قال لك بأني أرغب في الموت؟ وبالذّات وحرقاً؟!!
- لا يفترض بك أن تحدثني بعد أن انتهيت من السرد ووضعت النهاية التي وجدت أنها تليق بالأحداث وتسلسلها
- نهاية ؟؟ ألا تلاحظي سيدتي بأن الموت أصبح النهاية الحتمية لقصصك؟ وأنك تقصدين موت البطلة الأنثى في نهاية المطاف ؟ أهي حقاً متطلبات القصة أو أنك صاحبة القرار، وتتلاعبين في النهاية حتى تتوافق مع مزاجك الشخصي ؟؟
- لا مزاج شخصي في مجريات الأحداث والنهاية غالباً تأتي من سياق السرد
- حسناً ….اسمحي لي هنا أن أغير النهاية وأضعها أنا كما اشتهي أن تكون لا كما تريدين أنت.
- حســـــنا لــــــك ذلــــك.
نهضت مسرعة تغافل أسراب الجراد؛ كيما تغافل ما تحفل به ذاكرتها من ذكريات جميلة، وتعمل على إحالتها ليباس، أشعلت عود ثقاب وجمعت بعض الأوراق والصحف القديمة، وفي زاوية بعيدة عنها أشعلت النار، التهمت النار أسراب الجراد وهي تراقبها بحذر، بفرحة منتصر بفوزٍ عظيم عادت لمكانها الأول، لملمت ما تبقى من شتات القبو وأعادتها للقبو وأغلقت عليها، عمدت إلى جهاز التلفاز ووضعت المؤشر على محطة تلفزيونية تتابع برامجها، رفعت مؤشر الصوت لدرجة عالية تحجب عنها عويل الرياح، وما تثيره من أصوات تفزعها، تناولت رواية كانت بصدد قراءتها سابقا، جلست باسترخاء وهدوء، استعادت سكينتها، شعرت بأنها تولد من جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق